أصبحت الرياضات الإلكترونية لغة مشتركة بين شباب العالم، وتتقدّم بعض الدول بخطى واثقة لتحتضن هذا التحول كمجال استراتيجي يعكس رؤيتها للمستقبل. الأردن اليوم يقدم نموذجًا حيًا لذلك. فأن تُشاهد الشباب الأردني يتنافسون في ساحات رقمية جنبًا إلى جنب مع أقرانهم من مختلف الدول العربية، وأن ترى الفعاليات تُنظّم بمستوى احترافي يحاكي البطولات العالمية، هو دليل على أن المملكة تدرك جيدًا أين يتجه العالم، وتعمل على أن تكون في موقع الفعل لا التلقي.
الحدث الذي تشهده عمّان في 25 و26 أيلول الجاري يُعدّ مناسبة وطنية تحمل رسائل متعددة: من دعم الشباب وتمكينهم، إلى تعزيز الحضور الإقليمي، مرورًا بتحفيز الاقتصاد الرقمي، وجعل العاصمة نقطة جذب للمواهب والاستثمار.
وتحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير عمر بن فيصل، رئيس الاتحاد الأردني للرياضات الإلكترونية، تُنظّم النسخة الرابعة من الدوري العربي للرياضات الإلكترونية في قبة الألعاب الإلكترونية بمجمع الملك الحسين للأعمال، بمشاركة 18 دولة عربية وفريق يمثل اللاجئين، في سابقة هي الأولى من نوعها خارج العاصمة السعودية الرياض التي استضافت النسخ الثلاث السابقة.
تأتي هذه البطولة لتتوج مسارًا متصاعدًا للأردن في هذا المجال، إذ لم تقتصر مشاركته في الدورات السابقة على الحضور، بل سجل نتائج لافتة؛ أبرزها المركز الثالث في لعبة "تيكن" عام 2022، ثم المركز الأول في "إي فوتبول" للرجال عام 2023، وهو الإنجاز الذي تكرر في 2024، إضافة إلى المركز الثاني للسيدات في اللعبة ذاتها.
ومن اللافت أن الدعوة لحضور الفعالية مفتوحة ومجانية، في بادرة تهدف إلى إشراك الجمهور بكافة أطيافه في هذا المشهد الديناميكي، مع فعاليات مرافقة وجوائز وجلسات ترفيهية مخصصة للعائلات والشباب.
ما تشهده عمّان اليوم منصة ذكية تُوظّف التكنولوجيا لبناء صورة حديثة للأردن على الساحة الإقليمية، وتفتح نوافذ جديدة نحو الاقتصاد الرقمي والسياحة التكنولوجية. استضافة هذا الحدث تعني تحريك قطاعات متنوعة من الاقتصاد المحلي، بدءًا من السياحة والفنادق والنقل، مرورًا بالخدمات اللوجستية والدعم الفني، وصولًا إلى التغطية الإعلامية والبث الرقمي، ما يُسهم في تنشيط الدورة الاقتصادية وتوفير فرص عمل مؤقتة ودائمة، ويُرسّخ فكرة أن الرياضات الإلكترونية لم تعد ترفًا، بل أصبحت صناعة واعدة.
ومن الناحية الترويجية، تُعدّ البطولة فرصة ذهبية لتقديم الأردن كوجهة متقدمة في المجال التكنولوجي، تحتضن الإبداع، وترحب بالطاقات العربية، وهو ما يعزز صورة المملكة خارجيًا كدولة ديناميكية، مواكبة للتحولات العالمية.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل الرياضات الإلكترونية في الوطن العربي دون التوقف عند التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، والتي لم تعد حكرًا على بنية تحتية أو بطولات كبرى، بل طالت أيضًا نوعية الكفاءات التي تدير هذا القطاع، حيث نشهد اليوم بروز وجوه نسائية شابة وملهمة في مناصب قيادية، استطاعت خلال فترة وجيزة أن تضيف للقطاع أبعادًا جديدة من الحرفية والاستدامة. ويعكس ذلك التوجه الإقليمي نحو تمكين الكفاءات، وتوظيف الخبرات في مسارات استراتيجية تدفع بالرياضات الإلكترونية إلى آفاق أرحب. ومثلما استطاعت دول كالسعودية أن تتحول إلى مركز جذب عالمي في هذا المجال، بفضل سياسات واضحة ودعم مؤسسي قوي، فإن الأردن يمضي اليوم بخطى واثقة نحو المسار ذاته، مُعززًا حضوره عبر استضافة الأحداث الكبرى، وبناء بيئة حاضنة للمواهب المحلية، وفتح آفاق جديدة للتعاون العربي والدولي، ليس فقط من خلال اللعب، بل عبر الصناعة، والابتكار، والترويج الثقافي والاقتصادي.