الإعلان الطبي: حين يتحول الطبيب إلى "إنفلونسر"

تاريخ النشر : الثلاثاء 11:16 23-9-2025
د. محمد رسول الطراونة

في عصر الهيمنة الرقمية، لم تعد عيادات الأطباء تقتصر على الجدران الأربعة، بل امتدت إلى منصات التواصل الاجتماعي حيث الملايين من المتابعين، فقد تحوّل الإعلان الطبي من وسيلة للتوعية المسؤولة إلى ساحة مفتوحة للمبالغات والتجاوزات التي تمس صميم أخلاقيات المهنةكما طرح الزميل الدكتور عاصم منصور في مقاله "حين يعلو التريند على القسم"، مما يستدعي وقفة جادة لاستعادة ثقة المريض وحماية المجتمع من دعاوى كاذبة قد تكلفه صحته وأمواله.يكمن لب المشكلة في الخلط المتعمد بين مفهومين مختلفين جوهريًا: الإعلام الصحي والإعلان التجاري،الأول يهدف إلى التوعية وتبادل المعرفة بناءً على أدلة علمية رصينة، وهو مسؤولية أخلاقية يتحملها الطبيب تجاه مجتمعه. أما الثاني، فهو عملية تسويقية بحتة تهدف إلى الجذب والترويج، وغالبًا ما تعتمد على إثارة المشاعر والإبهار البصري.المشكلة تتفاقم عندما تذوب الحدود بينهما؛ فيتحول الإعلام الصحي إلى فضاء للمبالغة والتضليل، أو عندما يُستخدم جسد المريض - الذي يجب أن يكون محل ثقة وكرامة - كمجرد وسيلة لاستعراض النتائج وجذب العملاء، بدلاً من أن يكون وسيلة للإفادة والتعلم.

لا تقتصر آثار هذه التجاوزات على شكاوى أخلاقية، بل تمتد إلى أضرار ملموسة تصل الى انهيار الثقة في النظام الصحي برمته عندما تزرع الإعلانات المضللة الشك في نفوس المرضى تجاه أطبائهم ومؤسساتهم الصحية، مما يدفعهم أحيانًا إلى تأخير العلاج أو اللجوء إلى بدائل غير آمنة. وهناك أيضا مخاطر صحية مباشرة اذ ان الترويج لخدمات أو تقنيات غير مثبتة علميًا (مثل بعض عمليات التجميل أو "العلاجات المعجزة") يعرّض المرضى لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى العجز الدائم أو حتى الوفاة، ولعل اقبح هذه الاضرار تشويه صورة المهنة الطبية عندما تحوّل صورة الطبيب في أعين المجتمع من "مختص يهتم بالصحة" إلى "تاجر يبحث عن الربح"، مما يهدر رصيدًا من الاحترام استغرق بناؤه قرونًا.ان استخدام صور المرضى وحالاتهم الصحية دون موافقتهم الواعية والمستنيرة هو انتهاك فاضح للخصوصية والكرامة الإنسانية، ويتناقض تناقضًا تامًا مع القسم الطبي.

للاسف الشديد ، يتم رصد العديد من الممارسات الشائعة التي تشكل انتهاكًا صريحًا منها نشر صور غير لائقة"قبل وبعد" العمليات، خاصة التجميلية منها، بطريقة استعراضية تثير الفضول أكثر مما تقدم فائدة علمية أو توعوية، ناهيك عن استخدام الوعود الكاذبة حيث الادعاء بتحقيق "نتيجة مضمونة 100%" أو استخدام عبارات فضفاضة مثل "أفضل تقنية في العالم" دون أي دليل علمي يدعم هذه الادعاء، بعض الممارسات وصلت الى حد انتهاك خصوصية المرضى حيث نشرت صور المرضى وتفاصيل حالتهم دون موافقة واضحة، أو بطريقة تجعلهم مجرد ديكور أو "إعلان متحرك" يروج للطبيب، ومنها ايضا الترويج لخدمات غير مثبتة كالدعاية لتقنيات أو منتجات أو برامج علاجية لم تحظَ بموافقة الهيئات الصحية المعتمدة، دون تحذير المرضى بشكل صريح من المخاطر المحتملة.

بعض الإعلانات اليوم تُظهر نزعة تجارية صريحة تتعارض مع قسم ابقراط، الإعلان الذي يركز على "عروض خيالية" و"تخفيضات حصرية" على العمليات الجراحية يحوّل العيادة إلى سوق أو مركز تجاري، ويُضعف ثقة المجتمع بالمهنة إلى أدنى مستوياتها.

مواجهة هذه الظاهرة تتطلب جهدًا متكاملًا من جميع الأطراف، نقابة الاطباء وزارة الصحة والمجتمع : فدور نقابة الأطباء (الحارس المهني)،يتمثل في وضع مدونة سلوك واضحة وملزمة للإعلان الطبي، تحظر بشكل قاطع استخدام الصور غير الأخلاقية، والادعاءات غير المثبتة، والعروض التجارية المُخلة بهيبة المهنة وإنشاء لجنة رقابية خاصة بمتابعة الإعلانات الطبية على منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت، تتلقى الشكاوى من الجمهور وتملك صلاحية التحقيق وفرض عقوبات رادعة تصل إلى شطب الطبيب المخالف من سجلات النقابة اما وزارة الصحة (الحارس الرسمي) يقع على عاتقها إصدار تشريعات صارمة تلزم الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الصحة قبل الإعلان عن أي تقنية جديدة أو عملية جراحية واشتراط توثيق كل ادعاء في الإعلانات الصحية بأبحاث ونتائج علمية موثقة، ومراجعتها من قبل جهات متخصصة ومعترف بها قبل نشرها، اما دور المجتمع (المستفيد الأول والأخير) يتمثل في توعية المرضى بمخاطر الانسياق وراء الإعلانات البراقة، وضرورة التحقق من مصداقية الطبيب ومؤهلاته عبر القنوات الرسمية، واختياره بناءً على كفاءته وخبرته، وليس بناءً على قوة دعايته وتشجيع الإبلاغ عن أي إعلان طبي مشبوه عبر قنوات مخصصة وسهلة، مما يساهم في إنشاء قاعدة رقابية شعبية تدعم جهود النقابة والوزارة.

خلاصة القول ، الإعلان الطبي يجب أن يكون نافذةً تطل منها الثقة والشفافية، وليس فخًا منصوبًا للجمهور. وقول على قول : "الكلمة الطبية مسؤولية، والإعلان الطبي أمانة" ، حان الوقت لقطع الطريق على هذه التجاوزات بتشريعات حازمة وتطبيق عادل، لأن حفظ هيبة المهنة الطبية وسلامة أخلاقها ليس ترفًا، بل هو جزء لا يتجزأ من حفظ صحة وأمان المجتمع بأسره، والاستفادة من النماذج التنظيمية الناجحة إقليميًا وعالميًا يمكن أن تكون البوصلة التي ترشدنا إلى بر الأمان.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }