لأمانة عمان الكبرى كل الشكر والتقدير على مبادرتها بحملة إزالة العوائق من الشوارع، الأمر الذي يعاني منه كل سكان المدينة عندما يجدون كل أماكن الاصطفاف محجوزة لساكني المنازل امام بيوتهم، او امام المحلات التجارية، او امام المقاهي والمطاعم مقابل اجرة نقدية. بالفعل، ضاق المواطنون ذرعا بذلك، ناهيك عن خطر الاصطدام بتلك العوائق بدون انتباه.
لكن، من ناحية أخرى يجب أن نعترف بان المحلات التجارية بأنواعها، وخاصة تلك الواقعة على شوارع مزدحمة أو ضمن مباني متعددة الطبقات وكثيفة الاستخدام، تحتاج دون أدنى شك الى أماكن للتحميل والتنزيل، الأمر الذي يحصل على مدار ساعات النهار، وليس كما في بعض الدول المتقدمة، ضمن ساعات معينة يسمح بها التحميل والتنزيل. هذا الأمر مرتبط بتنظيم المناطق التجاريةمن حيث التصميم والتنظيم، بشكل عام، الأمر الذي لم يجد حلا مناسبا له لغاية الان لدى الجهات التنظيمية البلدية بشكل عام، وامانة عمان، التي يتوقع منها أن تقود، وتكون مثالا للبلديات الأخرى في سائر المملكة.
في دراسة قام بها مؤخرا طلبة ماجستير التخطيط المكاني في الجامعة الألمانية الأردنية، دراسة لمنطقة حسبان والمناطق التابعة لها، أظهرت تفاوتا كبيرا في التنظيم التجاري، تراوحت بين 0.5% (العال) أما باقي المناطق التابعة مثل القرمية والمنشية" و"المشقر" وحسبان ذاتها، تراوحت بين 4-6%، في حين يبلغ المتوسط المقبول تخطيطيا 2-3%. تقاس النسبة المقبولة عالميا اما بنسبة المساحة ذات التنظيم التجاري الى المساحة الكلية المنظمة، ولكن في بعض الدول مثل الولايات المتحدة أحيانا تقاس بنسبة طول الواجهة التجارية الى عدد السكان في المنطقة، وهو معيار أدق، لكنه بجاجة الى دراسات استطلاعية معمقة لتحديد المعيار بدقة، نظرا لتفاوت الحاجة الى التنظيم التجاري من مدينة لمدينة، ومن دولة الى دولة. هذه الدراسات مطلوبة من أمانة عمان بالشراكة مع وزارة الصناعة والتجارة.
لكن المشكلة الحقيقية أن الأراضي التي يتم تنظيمها "تجاري" قد لا يرغب مالكوها بالبناء عليها بالمستقبل المنظور، بل يودون الاحتفاظ بها للاستثمار المستقبلي، وبذلك يتم حرمان المنطقة من الخدمات التجارية. ولا يوجد أي ما يلزم صاحب الأرض المنظمة بالبناء. ربما نحتاج الى تشريع يعطي المالك مهلة زمنية معينة للبناء والا يصبح من حق البلدية اسقاط صفة التجاري عن الأرض. هذا ضروري بشكل خاص لان التشريعات والممارسات القانونية الحالية تعتبر التنظيم التجاري حقا مكتسبا للمواطن (الى الأبد!) سواء بنى ام لم يبن، وبذلك فان أية محاولة لنزع صفة التجاري قد تعرض السلطة التنظيمية (الإدارة المحلية) لدعاوى مكلفة، دعاوى لها مدافعين من رجال القانون الذين يقرأون إعلانات قرارات التنظيم كل يوم في الصحف اليومية، ويسارعون الى الاتصال بالمالكين وتشجيعهم على إقامة الدعاوى الحقوقية.وبالتالي تقف دوائر التنظيم عاجزة أمام أي تغيير للتنظيمات التجارية خوفا من الملاحقة القانونية.
من ناحية أخرى، تختلف النظرة الى الموقع المناسب للمنطقة التجارية ضمن الضاحية أو المنطقة السكنية (الحوض)، فمن المخططين من يرى أن عليها أن تتوسط المنطقة السكنية بحيث تتساوى المسافة بين المنطقة التجارية وكافة المباني السكنية المحيطة (0.5 كم تقريبا). يبدو هذا الأمر منطقيا في عصر ما قبل السيارة، وربما لا يزال منطقيا في الاحياء الشعبية التي لا يملك فيها الكثيرون وسيلة النقل الخاصة. لكن في التخطيط النمطي الحديث (عصر ما بعد السيارة) يفضل ان توضع المناطق التجارية على أطراف الحي (حدود الحي او المنطقة) لأكثر من سبب. أولها امتلاك غالبية السكان أو كلهم لواسطة النقل المتحركة (السيارة) وقدرتهم على التسوق باستخدام السيارة. والامر الثاني هو ان تتمكن المحلات التجارية من الاستفادة من عدد أكبر من السكان من داخل الحي أو الحي المجاور، أو المارين بالجوار.يضاف الى ذلك ارتفاع القدرة الشرائية بشكل عام (خارج الاحياء الشعبية) بحيث أصبح المواطن يقوم بالتسوق الأسبوعي أو لعدة أسابيع مرة واحدة. وأخيرا، لا يجب أن ننسى موضوع "التوصيل-الدليفري" و"التسوق الالكتروني" الذي يسر من عمليات الشراء باستخدام الانترنت دون الحاجة الى التجاور المباشر للأبنية السكنية والتجارية.
وأخيرا، أود أن اتحدث عن طريقة تصميم المناطق التجارية التي تأتي في الغالب على شكل امتداد طولي على واجهة الشارع (تجاري طولي). وتتفاقم أمور الاصطفاف والتحميل والتنزيل عندما يكون المبنى متعدد الطبقات، تعلوه المكاتب أو الشقق السكنية. وبالرغم من اشتراط المواقف لترخيص الا انها في العادة لا تكفي. فعندما نتحدث عن اشتراط سيارة لكل 100 متر مربع تتضح المشكلة، فالمكتب ذو مساحة 100 متر مربع قد يحتوي على الأقل على ثلاثة موظفين أو أكثر دون حساب سيارات المراجعين... والأمر ذاته بالنسبة للمحلات التجارية، أو الشقة السكنية التي يشترط لترخيصها موقف سيارة واحد قد تحتوي على ثلاث سيارات....
في عصر السيارة، وفي الأردن بشكل خاص، لن نتمكن من توفير العدد الكافي من المواقف! كما أن الحديث عن استبدال المواطن للسيارة بالنقل العام استراتيجية بعيدة المدى (جدا) ولن يكون ممكنا على الأقل في المستقبل المنظور. فما هو الحل؟
أرى الحل في استخدام الارتداد الخلفي للمباني التجارية التي تمتد على واجهات الشوارع، حيث ان هذا الارتداد في الوضع الحالي منطقة ميتة (Dead Area)اذ تنص القوانين على عدم فتح النوافذ (باستثناء العلوية) وأية أبواب تسمح باستخدام هذه المساحة الخلفية (الارتداد الخلفي) في حال وجود تنظيم سكني خلفها، وهو كذلك في غالبية الأحيان. ويهمل المعماريون والمالكون هذا الجزء من البناء فيصبح ظهر البناء التجاري واجهة شبه مصمتة، خرسانية، ومنفذه بأدنى درجة من المواصفات الهندسية، تشكل الواجهة التي تطل على المباني السكنية خلفها.
لو تمكنا من إيجاد، بالإضافة الى الشارع الامامي، شارع خدمة خلفي، شارع صغير جدا (عرض مسرب واحد) وبدون أرصفة، وقد يكون جزءا من الارتداد الخلفي، واستغلال الارتداد الخلفي ساحة للتحميل والتنزيل، مع السماح بباب واحد خلفي صغير للمحلات التجارية، لإدخال البضائع، تكون مشكلة التحميل والتنزيل قد حلت. ونستطيع عندها إزالة العوائق دون خوف من أية أضرار قد تلحق بالتاجر نتيجة عدم قدرنه على حجز موقف امام المحل للتحميل والتنزيل.
ولحماية المنطقة السكنية المجاورة في الخلف، ان وجدت، يمكن عمل شريط أخضر صغير مزروع بالأشجار وذلك خلف (الى جانب) شارع الخدمة (شارع التحميل والتنزيل). ولا يمكن استخدام شارع الخدمة للوقوف لأنه بمسرب واحد واتجاه واحد، ويفضي فقط الى ساحات التحميل والتنزيل ضمن الارتداد الخلفي. ويقتصر استخدام شارع الخدمة الخلفي هذا على شاحنات النقل الصغيرة الكهربائية، لعدم التسبب بإزعاج او تلوث للمنطقة السكنية المجاورة.
مرة أخرى نشكر أمانة عمان على حملتها لإزالة العوائق وندعوها الى تحسين طرق اختيار المواقع التجارية، وطريقة تصميميها، لأنصاف التجار الذين يحتاجون الى أماكن للتحميل والتنزيل، ولتكن هذه فرصة أيضا لإعادة النظر بالتشريعات والممارسات المرتبطة بالتنظيم التجاري التي غابت عنا لفترة طويلة.