لم يعد ما يجري في غزة منذ شهور مجرد عدوان عابر أو حرب محدودة، بل أصبح جريمة مكتملة الأركان تُصنَّف في القانون الدولي على أنها إبادة جماعية تمارس ضد أكثر من مليوني إنسان محاصرين داخل شريط ضيق، تُدك منازلهـم بالصواريخ، وتُستهدف مستشفياتهم ومدارسهم ومخيماتهم، ويُحرمون من الغذاء والدواء والماء والكهرباء، في مشهد يختصر كل معاني الظلم والاستباحة.
ما يزيد فداحة المأساة ليس فقط حجم الدمار وأعداد الشهداء والجرحى، بل صمت المجتمع الدولي أو عجزه عن اتخاذ خطوات عملية لوقف آلة القتل. فقد باتت القرارات الأممية حبراً على ورق، فيما تستمر بعض القوى الكبرى في حماية الجناة ومنحهم الغطاء السياسي والعسكري، في مفارقة صارخة مع القيم التي يدّعون الدفاع عنها: حقوق الإنسان، الحرية، والعدالة.
إن ما يحدث اليوم في غزة يشكّل اختبارًا أخلاقيًا وقانونيًا للمجتمع الدولي. فإما أن يثبت أن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية لم تكتب لتظل شعارات، وإنما لتطبق على الجميع دون استثناء، أو أن يسقط نهائيًا في فخ ازدواجية المعايير، فيفقد شرعيته أمام الشعوب.
المطلوب الآن ليس بيانات شجب أو دعوات هدنة مؤقتة، بل تحرك دولي فاعل يوقف العدوان فورًا، ويفرض إدخال المساعدات الإنسانية بلا قيود، ويفعّل آليات المحاسبة في المحاكم الدولية لملاحقة المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
غزة اليوم ليست مجرد قضية فلسطينية، بل قضية إنسانية كونية، ستسجَّل في التاريخ إما كنقطة سوداء في جبين العالم الذي صمت على الإبادة، أو كمنعطف صحّحت فيه البشرية مسارها وانتفضت لكرامتها المشتركة.
فلتكن غزة آخر امتحان يفشل فيه الضمير العالمي.