في عالم يشهد تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة تأتي رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن للسنوات 2023-2033 كاستراتيجية وطنية شاملة وبرنامجا وطنيا طموحا لنمو اقتصادي مستدام ينعكس ايجابا في بناء مستقبل أفضل. وللوصول الى ذلك يصبح التعليم الاداة الاستراتيجية الحيوية القادرة على بناء رأس المال البشري القادر على مواجهة متطلبات إنجاح هذه الرؤية ومواجهة متطلبات الاقتصاد الرقمي وسوق العمل المتغير والمنافسة العالمية. فالتعليم هو المفتاح لبناء اقتصاد سليم وتنافسي.
الرؤية الاقتصادية تهدف الى اطلاق الامكانات الاقتصادية لبناء مستقبل افضل ينتظره الاجيال لما له من أهمية في الارتقاء بنوعية الحياة للاجيال القادمة باستدامة وزيادة فرص التشغيل، ورفع ترتيب الاردن في مؤشرات التنافسية العالمية، بالاضافة الى تحسين جودة الحياة للمواطنين بشكل ملموس. وتسعى الى استيعاب مليون شاب وشابة في سوق العمل عبر الاستثمار في الشباب، الأمر الذي يجعل التعليم عنصرا محوريا في بناء القدرات الشبابية التي تحتاجها القطاعات الاقتصادية المختلفة حيث يتم التركيز على صقل المهارات وتنمية المعرفة التقنية والمهنية. فالنجاح في هذا المجال يرفع من فرص التشغيل ويعزز من مرونة الاقتصاد في مواجهة تحديات العصر خصوصا مع التحول الرقمي واقتصاد المعرفة.
التعليم إذن صاحب الدور الحاسم في انجاح هذه الرؤية الاقتصادية من خلال الاستثمار في راسم المال البشري، وتحسين جودة التعليم، وتطوير المهارات اللازمة لسوق العمل، وتطوير المناهج، وتعزيز التعليم المهني والتقني، وتدريب أعضاء الهيئة التدريسية وتأهيلهم، ووضع استراتيجيات منهجية لتعزيز الشراكات بين القطاعات العام والخاص لضمان توافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وبالتالي خلق فرص عمل مستدامة والارتقاء بنوعية الحياة.
نعم لقد قامت الحكومة من قبل بعدة برامج تنفيذية لتحسين قطاع التعليم تهدف الى تحديث التعليم ودعم المهارات والمعرفة والاصلاح الاداري بدعم من البنك الدولي شملت تحسين جودة الخدمات الجامعية وزيادة الكفاءة بما يسهم بشكل مباشر في دعم التحديث الاقتصادي وتحقيق اهدافه التنموية.
لكن لا شك أن هناك العديد من التحديات المتبقية التي قد تواجه هذا البرنامج الهام وتتطلب معالجة جذرية في السياق، مثال ذلك:
1- ضعف التكامل بين مخرجات التعليم واجتياجات سوق العمل المحلي والعالمي الذي دفع بدوره للمزيد من بطالة الخريجين على مدى السنوات السابقة.
2- عدم تناسب البنية التحتية في المدرسة والجامعة في مختلف المجالات التعليمية سواء التكنولوجية او المشاغل والمختبرات.
3- تدني مستوى قدرات أعضاء الهيئة التدريسية بما يتناسب مع متطلبات العصر المعتمد بشكل متسارع على التكنولوجيا والرقمنة والممارسات الحديثة.
4- تدني مستوى حوافز البحث العلمي والنشر وبراءات الاختراع.
وللتغلب على هذه التحديات والتشوهات يمكن هنا أبراز أهم الاستراتيجيات التعليمية التي يمكن اللجوء اليها للمساهمة في تحقيق الرؤية الاقتصادية:
1- تطوير المناهج التعليمية لتشمل مهارات القرن الحادي والعشرون مثل التفكير النقدي والابداعي والابتكار مع التركيز على العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) مما يعزز قدرة الخريجين على التفاعل مع الاقتصاد الوطني، ويواكب متطلبات سوق العمل الحديثة باعتماد المحتوى العلمي والتقني الذي يتناسب مع اولويات الاقتصاد الوطني. حيث تمثل المناهج الحديثة حجر الزاوية في تهيئة جيل قادر على المنافسة في الاقتصاديات العالمية المتقدمة المرتكزة على المهارات التطبيقية والرقمية والابتكار ويزيد من فرص ادماج الخريجين في القطاعات الاقتصادية الحيوية.
2- توسيع نطاق التعليم التقني والمهني (TVET) حيث تمثل المهارات التقنية عاملا حاسما في تجهيز قوى عاملة مدربة على تلبية احتياجات القطاعات الاقتصادية المتنوعة سواء في الصناعة أو الخدمات. فالتعليم التقني الذي يدمج بين التكنولوجيا وتطوير المهارات يزيد من فرص ادماج الخريجين في القطاعات الاقتصادية الحيوية. فالتعليم التقني يعد حاليا المحرك الرئيس في تزويد السوق بمهارات فنية وعملية وعلمية إذا ما تم ربطها بشكل مباشر بمتطلبات القطاعات الانتاجية المختلفة.
3- ادخال التكنولوجيا في العملية التعليمية بفعالية من خلال التعليم الرقمي والمدمج وزيادة استخدام التكنولوجيا الحديثة لتعزيز جودة التعليم وتطوير مهارات المتلقي مثل التفكير النقدي والابداع وحل المشكلات. والحكومة بدورها تدعم بقوة برامج التحول الرقمي وادخال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مختلف مناحي الحياة اليومية للمواطنين مما يسهل دمجها في التعليم ويزيد من كفاءة العملية التعليمية.
4- تطوير مهارات وقدرات أعضاء الهيئات التدريسية سواء في الجامعة أو المدرسة ليواكبوا أحدث الممارسات التعليمية والتقنية وبما يسهم ايجابا في توفير بيئة تعليمية محفزة وفعالة. فالاستثمار في تدريب وتأهيل المدرسين ودعمهم لتطوير مهاراتهم التدريسية له الأثر الايجابي في تجويد التعليم وتفعيله.
5- تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص في قطاع التعليم تحديدا وتوفير فرص التدريب ودعم مشاريع التشغيل وريادة الاعمال والابتكارلضمان تطابق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل الفعلية والمتغيرة.
ويمكن هنا الاسترشاد بعدد من النماذج العالمية الناجحة في ربط التعليم بالتحديث الاقتصادي، مثال ذلك تجربة سنغافورة التي نقلتها من دولة فقيرة الموارد الى دولة متقدمة تعتمد على التعليم القوي والابتكار، حيث ركزت على تطوير نظام تعليمي يعد نموذجا في دمج التعليم مع الرؤية الاقتصادية. كذلك الامر في فنلندا التي نفذت اصلاحات تعليمية جذرية ركزت على تمكين المعلمين وتطوير المناهج وتعزيز مهارات التفكير الابداعي مما أدى الى ايجاد اقتصاد متمكن. وهناك ماليزيا التي تعد مثالا رائدا في استخدام التعليم لبناء راسمال بشري متطور أسهم بشكل مباشر في زيادة انتاجية الاقتصاد ورفع تنافسيته. كما تمكنت رواندا رغم الصراعات من دمج التعليم والتكنولوجيا الرقمية في المناهج مما ساهمفي تنشيط قطاعات الانتاج المختلفة وحفز النمو الاقتصادي وتحسين حياة المواطنين. وهي جميعا نماذج ورؤى اقتصادية يمكن الاستفادة منها ضمن رؤية التحديث الاقتصادي الاردني.
وقد احسنت وزارة التعليم العالي بفتح العديد من التخصصات التي تتوائم مع حاجات سوق العمل المحلي والاقليمي والدولي لمواكبة التحولات المتسارعة بالاقتصاد العالمي، وفتح المجال واسعا أمام الطلبة لولوج مجالات التكنولوجيا والاقتصاد المتغير وتخفيض معدلات البطالة بين الخريجين. وهنا يشكل ربط المحتوى التعليمي لهذه البرامج بخطط رؤية التحديث الاقتصادي وتزويد الطلبة بالمهارات العملية والرقمية تخريج كفاءات قادرة على المنافسة وتلبية الطلب الفعلي في سوق العمل المحلي والعالمي.
باختصار فان التعليم يلعب الدور الرئيس في انجاح رؤية التحديث الاقتصادي باعتباره الاداة الرئيسية لتطوير راس المال البشري واعداد القوى العاملة القادرة على تلبية متطلبات الاقتصاد الحديث. لذلك لابد من العمل على تطوير التعليم والتركيز على الجوانب التقنية والمهنية وتوظيف التكنولوجيا الحديثة كي تتمكن الرؤية من تحقيق تنمية مستدامة تسهم في النمو الاقتصادي وتجويد حياة المواطنين.
إن الاستثمار في التعليم ضرورة وليس خيارا لتحقيق ذلك وكما قال جلالة الملك "التعليم هو الاساس لبناء وطن قوي، واقتصاد مزدهر، وشباب قادر على الابتكار والقيادة". وبالتالي فإن العمل الجاد على تنفيذ هذه الرؤية يتطلب نموذج تعليم عال الجودة يضاهي نماذج وتجارب الدول التي جعلت من التعليم وسيلة أساسية للتقدم الاقتصادي والاجتماعي. فالتعليم هو استثمار في مستقبل الاردن الواعد ووسيلة هامة في تحقيق رؤية التحديث الاقتصادي.