في زمنٍ تتعالى فيه أصوات القذائف على غزة، وتتعالى معها صرخات الأطفال الأبرياء، يسطع صوت العقل والإنسانية ليذكّرنا بأن الكلمة أحيانًا أشد أثرًا من المدفع، وأن الفعل الشعبي الواعي قادر على إحداث التحوّل في مسار الأحداث. يقول جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين: "لا يمكن أن يستمر العالم في تجاهل معاناة الشعب الفلسطيني وحقه في الحرية والعيش الكريم". هذه الكلمات ليست مجرد موقف سياسي، بل دعوة صريحة لكل إنسان حر كي ينهض بدوره، ويجعل من ضميره منبرًا للحق، ومن إنسانيته سلاحًا لمواجهة الظلم.
إن الشعوب اليوم أمام امتحان أخلاقي وإنساني؛ فصور الجوع والحرمان والخوف التي تملأ شاشات العالم، تكشف عورات السياسة وتفضح وحشية الحرب ، غير أن استثمار هذه الصور لا يكون بالتشفي أو الخطاب الغاضب الذي يزيد الانقسام، بل بعرض المعاناة الفلسطينية في أبهى صورها الإنسانية، بعيدًا عن الألفاظ الجارحة والشعارات المتهورة. فحين نتحدث بلغة راقية ونكشف حجم الألم بصدق وهدوء، نمنح الرأي العام الدولي فرصة للتماهي مع الضحايا، ونبني جبهة عريضة من التعاطف تضيق الخناق على آلة القتل وتدفع صناع القرار نحو خطوات ملموسة.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الكفاح لا يقتصر على المقاومة المسلحة، بل يمتد إلى ميادين الكلمة والصورة والفن والدبلوماسية الشعبية، ما يفعله اليوم كبار الإعلاميين والممثلين والمؤثرين في العالم، من نشر واعٍ للمعاناة الفلسطينية، يغيّر المعادلة ويجبر الحكومات على مراجعة مواقفها، وكلما زاد هذا الضغط الأخلاقي، ازدادت عزلة إسرائيل في المحافل الدولية، وانكشف زيف دعايتها، واهتزت قدرتها على مواصلة القتل بلا رادع.
وهنا يأتي دورنا كشعوب عربية وإسلامية، بل كأحرار العالم، في دعم هذه الجهود من خلال خطاب متزن يعلي قيمة الإنسان ويؤكد حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية. علينا أن نُحسن استخدام أدواتنا الرقمية والإعلامية لتقديم الرواية الفلسطينية بموضوعية وسمو، فنكسب الرأي العام العالمي ونجعل من التأييد الشعبي تيارًا جارفًا يفرض على الساسة التوقف أمام ضمير البشرية.
الأردن، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، قدّم نموذجًا لهذا الخطاب المعتدل؛ إذ دعا منذ اليوم الأول للحرب إلى وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وحذّر من استمرار سياسة العقاب الجماعي التي تهدد السلم الدولي. هذا الموقف الأردني المتوازن يعكس ما نحتاجه اليوم: لغة تتكئ على القانون الدولي، وتتمسك بالعدالة، وتفتح أبواب الحلول السياسية وعلى رأسها حل الدولتين باعتباره الطريق الوحيد لإنهاء الصراع.
إن واجبنا لا يقف عند حدود التعاطف، بل يتجاوز إلى الفعل المؤثر: توثيق الجرائم، إيصال صوت الأمهات الثكالى، دعم الحملات الإنسانية، ومقاطعة كل ما يغذي آلة الحرب. فحين نختار خطابًا حضاريًا، ونرفع المعاناة بلا ضجيج ولا كراهية، نصبح شركاء حقيقيين في كسر دائرة الدم، ونمنح أطفال غزة ما يستحقونه: حق الحياة، وحق الأمل، وحق أن يروا عالمًا أكثر عدلاً ورحمة.