انعقاد ملتقى "مسارات الإبداع في وادي الأردن"، الذي نظمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشراكة مع وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، وبدعم من حكومة اليابان يوم الثلاثاء، لم يكن مجرد حدث شبابي أو فعالية لعرض أفكار ريادية. الملتقى الذي جمع نحو من 150 مشاركًا من الشباب ورواد الأعمال والمبدعين، ناقش مسارات في السياحة الزراعية والصناعات القائمة على الهوية، والمرونة الرقمية، وريادة الأعمال الخضراء. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في ما دار من نقاشات بحد ذاتها، بل فيما يمكن أن يُستشرف منها للمستقبل، خصوصًا حين نقرأها من زاوية التغير المناخي.
وادي الأردن يمثل الامتحان الأكثر وضوحًا لرؤية التحديث الاقتصادي. فهذه المنطقة التي ارتبطت لعقود بالأمن الغذائي الأردني تواجه اليوم ضغوطًا غير مسبوقة. فقد سجّل الأردن ارتفاعًا في درجات الحرارة بواقع 2.1 درجة مئوية خلال القرن الماضي، فيما تتراوح الأمطار في الوادي بين 280 مليمترا في دير علا إلى أقل من 71 مليمترا في غور الصافي، ما يعكس هشاشته أمام الجفاف والتبخر المتزايد.
قناة الملك عبد الله، التي تروي الوادي وتغذي نحو من 40% من محاصيل المملكة، وتؤمّن جزءًا مهمًا من مياه عمّان، أصبحت بدورها مهددة بفواقد مائية كبيرة. وعلى المستوى الاجتماعي، فإن بطالة الشباب وصلت إلى نحو 42% ومرتفعة في المناطق الأقل حظًا مثل الأغوار، ما يجعل أثر المناخ مضاعفًا على فرص العمل.
أما قطاع السياحة، فقد شهد موقع المغطس مثلًا تقلبًا حادًا، حيث تراجعت أعداد الزوار في بداية 2024 بنسبة 65% قبل أن تعود للارتفاع إلى 56 ألف زائر حتى آب 2025. هذه المؤشرات مجتمعة توضح أن التحدي في وادي الأردن لم يعد زراعيًا فقط، بل وجوديًا يتصل بالاقتصاد الوطني، بالأمن المائي والغذائي، وبالحياة اليومية للأردنيين.
من هنا تبرز أهمية الملتقى. صحيح أن عناوينه الظاهرة تبدو سياحية وصناعية، لكنها في جوهرها تعكس إمكانات التحول إلى أدوات لمواجهة المناخ. السياحة الزراعية مثلًا يمكن أن تعيد الاعتبار للممارسات الريفية التقليدية في استهلاك المياه وإدارة الموارد. الصناعات القائمة على الهوية يمكن أن تُبنى على استغلال المواد المحلية والطبيعية بعيدًا عن البلاستيك ومواد التصنيع الملوثة. الريادة الخضراء لا تقتصر على مشاريع الطاقة أو التكنولوجيا، بل تشمل سلوكيات يومية من إعادة التدوير إلى الاقتصاد الدائري. من زاويتي، هذه ليست مجرد مشاريع استثمارية بل مسارات لتغيير أنماط العيش نحو مزيد من التكيف مع المناخ، أي عودة واعية للجذور.
جلالة الملك عبدالله الثاني كان واضحًا في توجيهاته حين أكد على ضرورة دعم مزارعي وادي الأردن ودراسة أفضل السبل للحفاظ على بيئته. الرسالة هنا تلتقي مباشرة مع المراجعة الأخيرة لرؤية التحديث الاقتصادي التي شددت على العدالة المكانية وتمكين الشباب والنساء في المناطق الأقل حظًا. وفي هذا السياق، تصبح القيادة التنفيذية متمثلة بحكومة الدكتور جعفر حسان حجر الزاوية، هذا الرجل الذي يعي تمامًا أن التحديث ليس وثيقة نظرية بل تجربة ميدانية وتراكم خبرة، هو من يدرك أن وادي الأردن ليس هامشًا بل اختبار لقدرة الدولة على تحويل الرؤية إلى واقع ملموس.
من خلال هذه القراءة، لا يكون الملتقى مجرد تجمع شبابي، بل منصة يمكن أن تنطلق منها خارطة طريق مستقبلية. استثمار في الزراعة الذكية مناخيًا والطاقة المتجددة، سياسات داعمة للصناعات الإبداعية والحرفية، ومناهج تعليمية تعيد الطلبة إلى بيئتهم الريفية ليتعلموا سلوكيات الاستدامة من المصدر نفسه. وادي الأردن بذلك يتحول من منطقة توصف بالهشاشة الاقتصادية إلى مختبر وطني يجمع بين الاقتصاد والإبداع والبيئة.
الخلاصة أن ما جرى في البحر الميت أوسع من كونه ملتقى إقليميًا. هو دعوة لإعادة التفكير في معنى التحديث الاقتصادي حين يُختبر في مواجهة التغير المناخي. وإذا ما التقطت الحكومة هذه اللحظة، فإن الأغوار يمكن أن تتحول إلى ورقة النجاح الأولى لمسيرة التحديث، نموذجًا للتنمية المكانية المستدامة، ودليلًا عمليًا على أن الرؤية الاقتصادية للأردن ليست طموحًا بعيدًا، بل مشروعًا قابلًا للتنفيذ على الأرض.