جاءت زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى واشنطن في توقيت حساس اقتصاديًا وسياسيًا، حيث تواجه المنطقة تحديات متصاعدة، بينما يسعى الأردن إلى تثبيت استقراره الداخلي عبر مشاريع استراتيجية ورؤية تحديث شاملة. اللقاءات التي عقدها سموه مع عدد من أعضاء الكونغرس الأميركي لم تكن بروتوكولية، بل شكلت منصة لطرح أولويات الأردن الاقتصادية وتعزيز شراكاته الدولية.
في مقدمة هذه الأولويات برز مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه من العقبة إلى عمان، وهو مشروع مهم في ظل شح المياه الذي يعاني منه الأردن. المشروع، الذي يهدف لتوفير نحو 300 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، يحمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية عميقة؛ إذ سيعزز الأمن الغذائي، ويدعم التوسع الصناعي، ويضمن استدامة النمو الحضري. غير أن التحدي الأساسي يكمن في كلفته المالية العالية، إلى جانب ضرورة ربطه بالطاقة المتجددة لتقليل أعباء التشغيل.
كما أكد سمو ولي العهد أن التحول الرقمي يمثل رافعة رئيسية للنمو النوعي في الأردن، مشيرًا إلى دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحديث قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الحكومية. هذه الرؤية تضع الأردن في موقع يمكنه من التحول إلى مركز إقليمي للشركات الناشئة، خصوصًا مع توفر قاعدة بشرية شابة ومتعلمة. لكن النجاح في ذلك يستلزم الاستثمار في تنمية المهارات، ووضع أطر تشريعية مرنة، وتوسيع الوصول إلى رأس المال المخاطر، بما يسمح بتحويل الأفكار المبتكرة إلى منتجات وخدمات قابلة للتصدير.
وفي جانب آخر، شدد سموه على أهمية تعزيز التبادل التجاري بين الأردن والولايات المتحدة، مذكرًا بضرورة توسيع الاستفادة من الاتفاقيات الثنائية القائمة. فالاقتصاد الأردني يمتلك ميزة نسبية في قطاعات مثل الصناعات الدوائية، والخدمات الرقمية، والمنتجات الغذائية، وهي قطاعات قادرة على النفاذ إلى السوق الأميركي والمنافسة فيه. كما أن تعميق هذه الشراكة التجارية يفتح المجال لربط الأردن بسلاسل القيمة العالمية، ما يسهم في تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل جديدة.
تعكس هذه اللقاءات إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد والسياسة متلازمان. فإقناع صناع القرار الأميركيين بدعم مشاريع الأردن الكبرى يعزز فرص حصول المملكة على تمويل بشروط ميسرة، ويفتح المجال لشراكات استثمارية أوسع. وفي الوقت نفسه، فإن تقديم رؤية اقتصادية واضحة ومستقبلية يرسخ صورة الأردن كشريك موثوق وقادر على تحويل التحديات إلى فرص.
جسدت لقاءات ولي العهد في واشنطن دبلوماسية اقتصادية هادفة، ركزت على ثلاثة محاور أساسية: الأمن المائي، التحول الرقمي، والشراكة التجارية. هذه المحاور ليست مجرد عناوين، بل هي ركائز استراتيجية لمستقبل الاقتصاد الأردني. وإذا نجح الأردن في حشد الدعم الدولي وتفعيل الشراكات اللازمة، فإن ما طرحه سموه في واشنطن قد يشكل نقطة تحول نحو اقتصاد أكثر صلابة ومرونة بنفس الوقت.