يدخل الأردن عام 2025 مع ارتفاع معدلات الباحثين عن عمل وتباطؤ النمو، إلى أزمات إقليمية متشابكة تعصف بالشرق الأوسط. ومع ذلك، هناك قطاع واحد ظلّ يشكّل رافعة صامدة للاقتصاد ويمنح المملكة موقعًا استثنائيًا على الخارطة الدولية: السياحة، وبالأخص السياحة الثقافية والدينية. ففي وقت تبحث فيه دول المنطقة عن قوى ناعمة جديدة تعزز حضورها، يملك الأردن إرثًا حضاريًا وروحانيًا يجعله قبلة للزوار من مختلف أنحاء العالم، وفرصة لتوظيف هذا الرصيد كأداة دبلوماسية ناعمة في عالم سريع التحولات.
الأرقام تكشف حجم هذا الدور. فقد أظهرت بيانات وزارة السياحة والبنك المركزي أن القطاع السياحي ساهم بنسبة 14.6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023، بينما ارتفعت الإيرادات السياحية إلى 7.41 مليار دينار مع استقطاب أكثر من 6.35 مليون زائر، مسجّلة زيادة بنسبة 25.8% مقارنة بعام 2022. والأهم أن التقديرات الأولية لعام 2025 تشير إلى أن السياحة باتت تشكّل ما يقارب 15% من الناتج المحلي، ما يبرز أهميتها كأداة تنويع اقتصادي وركيزة للاستقرار النسبي.
على المستوى الثقافي، تبقى البتراء في مقدمة المواقع التي تمنح الأردن هويته السياحية العالمية. فالمدينة الوردية المدرجة على لائحة التراث العالمي لليونسكو لا تجذب فقط عشاق التاريخ، بل تحولت إلى رمز عالمي لقدرة الأردن على صون حضارته رغم تحديات الحاضر. إلى جانبها، تبرز جرش بمهرجانها الثقافي، وأم قيس وطبقة فحل كمراكز تجمع بين الآثار الرومانية والهوية المحلية، وهو ما يمنح السياحة الأردنية بعدًا يتجاوز الاقتصاد ليصبح وسيلة من وسائل القوة الناعمة.
أما على المستوى الديني، فإن الأردن يقف على أرضية استثنائية. فموقع المغطس – موقع عماد السيد المسيح – أصبح محطة رئيسة للحجاج المسيحيين من مختلف أنحاء العالم، مدعومًا باعتراف عالمي من اليونسكو. كما تمثل مواقع مثل جبل نيبو ومكاور وجهات روحية بارزة. وفي المقابل، تستقطب المقامات الإسلامية كأضرحة جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة في الكرك والمزار الجنوبي، إلى جانب أضرحة الصحابة في الأغوار، آلاف الزوار العرب والمسلمين. هذه المواقع ترسّخ صورة الأردن كجسر جامع للأديان، وتعزز موقعه كدولة استقرار وانفتاح.
هذا التميز يتقاطع مع اتجاه عالمي متزايد نحو السياحة التجريبية والروحانية، حيث يبحث السائح عن تجربة غنية بالقيم والمعاني، لا مجرد زيارة سطحية. وهنا يملك الأردن فرصة ليكون في طليعة هذا التوجه من خلال ربط السياحة بالاقتصاد الأخضر والرقمي، عبر تطوير بنية تحتية مستدامة، واستثمار الطاقة المتجددة في المنتجعات والمرافق، وتوظيف التكنولوجيا الرقمية لتسويق المواقع عالميًا.
لكن استثمار هذه القوة الناعمة يتطلب بيئة جاذبة للاستثمار، من خلال تطوير البنية الفندقية والنقل، وتبسيط الإجراءات القانونية، وتبنّي سياسات تسويق ذكية تستهدف الأسواق الأوروبية والآسيوية بالتوازي مع العربية. كما أن إشراك المجتمعات المحلية في إدارة المواقع السياحية يضمن توزيعًا أكثر عدالة للعوائد ويمنح التجربة طابعًا إنسانيًا أصيلًا.
الأردن يمتلك فرصة ذهبية لتحويل السياحة الثقافية والدينية إلى أداة استراتيجية تعزز اقتصاده وتدعم حضوره الإقليمي والدولي. فبين البتراء والمغطس والمقامات الإسلامية، يحمل الأردن رواية حضارية وروحانية متكاملة يمكن أن تجعل منه ليس فقط وجهة للسائح، بل أيضًا نموذجًا لدولة توظف تاريخها وثقافتها في صناعة المستقبل. وبينما يتسابق العالم نحو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، يبقى الأردن قادرًا على التميز عبر مزج حداثة الاقتصاد مع أصالة الإرث الثقافي والروحي، ليصوغ لنفسه موقعًا استثنائيًا في معادلة المنطقة.