لا يزال الشرق الأوسط يعيش تحت سحابة كثيفة من الدخان، ليس دخان الحرائق العابرة، بل دخان البنادق الذي يغطي الأفق، ويخفي معالم المستقبل، ويترك الإنسان العادي عالقاً بين الخوف والإنتظار، في هذه المنطقة المزدحمة بالصراعات والنزاعات الاقليمية، بينما تبقى البنادق هي اللاعب الأبرز، والدخان هو الشاهد الصامت.
لا يمكن قراءة مشهد الشرق الأوسط من دون العودة الى فلسطين حيث تتجلى ممارسات إسرائيل التي تمس حقوق الانسان للشعب الفلسطيني بأوضح صورها.
الحصار المستمر على غزة، الاقتحامات اليومية للمدن الفلسطينية ، الاعتقالات التعسفية، والاستيطان الذي يلتهم الارض بلا توقف، كلها سياسات تجعل التنكيل جزء من الحياة اليومية. الفلسطينيون لا يواجهون فقط الرصاص والقصف، بل ايضاً واقعاً خانقاً يحاصر حياتهم من كل اتجاه، لتبقى الأرض الفلسطينية مسرحاً لانتهاك الكرامة الإنسانية.
السياسات الاسرائيلية لم تتوقف عند حدود فلسطين؛ فإلى جانب استهداف الشعب الفلسطيني، امتدت رسائل التهديد الى دول عربية وقامت حكومة متطرفة بعيدة عن السلام بهجوم غادر على دولة قطر، هذه التحركات تشمل إشارات تهديد علنية أخرى ضمنية لدول المنطقة، بهدف خلق توازن يخدم المصالح الاسرائيلية على حساب الإستقرار الإقليمي.
هذا الدخان ليس مجرد أثر عابر لرصاصة أو معركة، بل هو طبقة كثيفة من الأزمات المتراكمة، حيث تتداخل السياسة الطائفية، وتتصادم المصالح الإقتصادية بالتحالفات الاقليمية، ليجد الانسان نفسه أول الضحايا.
وسط هذه الحسابات ، يبقى الانسان العربي هو الضحية الكبرى، ملايين اللاجئين والنازحين يعيشون بلا أفق، وأجيال كاملة تحرم من التعليم والأمان، وأمهات يترقبن عودة أبنائهن بسلام، يحملن الامل في كل يوم جديد، هنا ليس مجرد صورة بل حقيقة يومية تخنق الهواء وتسرق المستقبل.
لقد تعب الشرق الأوسط من الدخان، وآن له أن يرى السماء صافية، فالتاريخ يكتب أن البنادق قد تسكت لفترة، لكن الدخان لا ينقشع إلا بارادة سلام حقيقية وشجاعة سياسية تعيد الاعتبار للحق والعدالة، تعلو على المصالح الضيقة وتضع الانسان في مقدمة الأولويات.
وحتى ذلك الحين، سيضل الدخان هو العنوان الأبرز للمنطقة، فيما تبقى الشعوب في انتظار نسمة هواء صافية تنهي هذا الاختناق الطويل.