في زمن تتسارع فيه التغيرات في سوق العمل وتزداد فيه التنافسية بين الخريجين، لم يعد الحصول على الشهادة الأكاديمية وحده كافيًا لضمان مستقبل مهني ناجح. فقد باتت المهارات الناعمة (Soft Skills) — مثل الاتصال الفعّال، والعمل الجماعي، وحل المشكلات — ركيزة أساسية إلى جانب التخصص العلمي.
ومن هذا المنطلق، أطلقت الجامعة الأردنية، برئاسة معالي الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، مساقًا إجباريًا لجميع الطلبة تحت عنوان "الاستعداد الوظيفي"، في خطوة تعكس إدراكها لمسؤوليتها الوطنية في إعداد خريجين مؤهلين وقادرين على المنافسة محليًا وإقليميًا ودوليًا. ويأتي ذلك انسجامًا مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الذي يؤكد دائمًا أن "الاستثمار في الشباب هو الاستثمار في مستقبل الأردن"، ومع توجيهات سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني الذي جعل من تمكين الشباب وتعزيز مهاراتهم العملية والمهنية محورًا رئيسيًا في مبادراته العديدة، مثل مؤسسة ولي العهد وبرامجها الهادفة إلى الربط بين التعليم واحتياجات السوق.
في نسخته الثانية، حظي مساق "الاستعداد الوظيفي"بإدارة الأستاذ الدكتور مراد الضامن والأستاذ الدكتور كمال سويدان من قسم الكيمياء، ليأخذ الطلبة في رحلة متكاملة تجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية.
بدأت التجربة من لحظة تعريف الطلبة بكيفية بناء سيرة ذاتية تعكس هويتهم ومهاراتهم وقيمهم، بعيدًا عن القوالب التقليدية الجامدة، وصولًا إلى تدريبات عملية على استراتيجيات البحث عن عمل وخوض المقابلات الوظيفية بثقة، وذلك بالاستناد إلى نظرية الذكاءات المتعددة لهوارد جاردنر.
وانتقل المساق إلى جانب آخر لا يقل أهمية، وهو تنمية المهارات الشخصية والمهنية. فبين أنشطة جماعية وعروض تقديمية، تعلّم الطلبة كيف يطورون قدراتهم في التواصل الفعّال والعمل بروح الفريق وحل المشكلات بطرق مبتكرة، مستفيدين من نظرية التعلم التعاوني التي جعلتهم أقرب إلى بيئة العمل الحقيقية.
ولأن القيادة عنصر حاسم في الحياة العملية، فقد منح المساق الطلبة فرصة لتجربة أدوار تنظيمية وإدارية، عبر محاكاة مشاريع قيادية جعلتهم يختبرون معنى اتخاذ القرار والعمل بروح القائد لا التابع.
أما الجانب العملي التخصصي، فقد تميز بورش عمل في التحليل الكيميائي وإدارة المختبرات والسلامة المهنية، استندت إلى نظرية التعلم التجريبي التي تعطي للتجربة المباشرة قيمة تفوق مجرد الاستماع أو القراءة.
ولتعزيز الصلة بسوق العمل، فُتح الباب أمام الطلبة لخوض تدريب ميداني، سواء داخل الجامعة على الأجهزة الكيميائية الحديثة، أو خارجها عبر شراكات مع مؤسسات وطنية رائدة مثل شركة الحكمة للأدوية، والجمعية العلمية الملكية، وشركة شانيل فارما، وسلطة وادي الأردن، لتكون التجربة العملية مكمّلة لما تعلّموه في القاعات.
واختُتمت الرحلة بمحاضرات حول الأخلاقيات المهنية وأهمية التعلم المستمر، تناولت النزاهة العلمية وأخلاقيات العمل البحثي والكيميائي، مع تسليط الضوء على ضرورة مواكبة التطورات التكنولوجية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
هكذا، لم يكن مساق "الاستعداد الوظيفي" مجرد مادة دراسية عابرة، بل تجربة متكاملة صاغت شخصية الطالب الجامعي على نحو يجمع بين المعرفة والمهارة والأخلاق، مهيئةً إياه لعبور بوابة سوق العمل بثقة واحترافية.
ما يميز مساق "الاستعداد الوظيفي" أنه لا يقتصر على الجوانب النظرية، بل يشكّل منظومة متكاملة تسعى إلى ردم الفجوة بين مخرجات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل المتغيرة. وهذا النهج يتوافق مع الرؤية الملكية السامية التي تشدد على ضرورة ربط التعليم بالاقتصاد الوطني، وتمكين الشباب الأردني من المهارات التي تجعلهم قادة في مجتمعاتهم وسفراء لوطنهم في مختلف المحافل.
كما يعكس هذا المساق نهج سمو ولي العهد الذي لطالما أكد أن الشباب الأردني يمتلك طاقات استثنائية تحتاج إلى توجيه صحيح وتوفير بيئات داعمة تتيح لهم الإبداع والابتكار. ومن خلال هذه المبادرات الجامعية، تُترجم الرؤية إلى واقع ملموس يساهم في تعزيز تنافسية الأردن وريادته في مجال التعليم العالي.
لقد أثبت مساق "الاستعداد الوظيفي" في قسم الكيمياء بالجامعة الأردنية أنه أكثر من مجرد نشاط تدريبي؛ فهو نموذج وطني متكامل في تمكين الطلبة وإعدادهم لمستقبل عملي مزدهر. والنجاحات التي لمسها الطلبة تؤكد أن الاستثمار في الشباب، كما يؤمن جلالة الملك وسمو ولي العهد، هو الطريق الأجدى لبناء أردن قوي ومنافس في عالم يتغير بسرعة.