الأمية" جرح مفتوح في عصر المعرفة

تاريخ النشر : الأربعاء 10:24 10-9-2025
د. أسماء سليمان العبد الرحمن

͏رغم ͏أننا نعيش في زمن سريع فيه الاكتشافا͏ت العلمية، و͏يُنظر͏ إلى المعرفة͏ على أنها القوة التي تدفع التنمية، لكن العالم ما زال يو͏اجه حقيقة صا͏دمة: أكثر͏ من 750 مليون شاب وبالغ لا يمكنهم القراءة ͏وا͏لكتابة. أي ما يقرب من 19% من سكان الكرة الأرضية. هذا العدد لا يظهر فقط͏ نقصا في المهارات و͏لكنه يمثل صورة صعبة͏ للتهميش وا͏لطرد وحرمان من حقوق إنسانية بسيطة. فالأ͏مية ليست مشكلة فرد͏ية تخص الذين ͏يعانون منها فقط ولكنها قضية جماعية تعيق تقدم المجتمعات و͏توقف قدرتها عن͏ تحقيق التنمية الشاملة والعدالة الاجتماعية.

إن الأمية ليست فقط عدم القدرة على قراءة كتاب أو كتابة جملة ͏صغيرة، بل هي ͏منع من حق أساسي يؤدي إلى خسائر كبيرة. تبدأ هذه الخسائر بضعف الفر͏ص للحصول على ͏التعليم والعمل، وتستمر في إعاقة المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية. وقد أظهرت تقار͏ير͏ اليونسكو أن الدول التي تتواجد فيها الأمية بشكل كبير غالبًا ما تكون أكثر͏ ͏عرضة للفقر والبط͏الة وعدم ا͏لاستقرار.͏ أنها دائرة مغلقة من الحرمان، حيث الأمية تعيش مع الفقر والفقر ͏يعزز الامية. وعندما يتحدث العالم عن الثورة الصناعية ، وظهور الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي المستمر، فإنه يواجه تحديًا جديدًا، وربما يكون بقدر خطورة الأمية التقليدية، وهو الظاهرة المتزايدة للأمية الرقمية. إن عدم القدرة على الاستفادة من واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة بسبب محدودية أو نقص المهارات الأساسية في القراءة والكتابة سيؤدي إلى تهميش ملايين الأشخاص حيث سيظلون خارج نطاق الاقتصاد المعرفي والمعلوماتي ، ويعمق الفجوة بين المستفيدين رقميًا والمحرومين رقميًا. لذلك، تطور مفهوم "القراءة والكتابة" ليشمل ضرورة القدرة على استخدام أدوات المعرفة الحديثة.

النساء والفتيات هن الأكثر تضررًا وهن الأكثر حاجة. تظهر الإحصائيات أن ما يقرب من ثلثي الأميين في العالم من النساء. هذه الحقيقة توضح أن الأمية ليست مجرد قضية تعليمية. إنها قضية مساواة وعدالة اجتماعية. لقد تم إثبات أن المرأة المتعلمة لا تحسن فقط من مكانتها الاجتماعية، بل هي عنصر تنموي في أسرتها ومجتمعها بشكل عام. تشير الأبحاث إلى أن تعليم النساء يؤدي إلى تحسين صحة الأسر، وزيادة فرص التعليم للأطفال، وارتفاع الإنتاجية العامة للمجتمع. لهذه الأسباب، يعتبر تلبية احتياجات الأمية للنساء واحدة من أكثر الاستثمارات فعالية وعائدًا."

ولعل ما يعزز الأمل هو أن الخطوات التي تم اتخاذها على الصعيد العالمي لمكافحة الأمية كانت ناجحة.

كوبا، على سبيل المثال، تمكنت من تقليل الأمية إلى ما يقرب من الصفر في أقل من عام خلال الستينيات، باستخدام متطوعين لتعليم البالغين. في بنغلاديش، تمكنت الآلاف من النساء من اكتساب مهارات القراءة والكتابة جنبًا إلى جنب مع التدريب المهني من خلال برامج التعليم غير الرسمي، مما حسن من وضعهن الاجتماعي والاقتصادي.

تثبت مثل هذه الحالات أن الأمية ليست حلمًا بعيد المنال، بل هدفًا يمكن تحقيقه من خلال الإرادة السياسية بالإضافة إلى الدعم المجتمعي والموارد اللازمة. على عكس العالم العربي الذي لا يزال يواجه تهديد الأمية، حيث تسجل بعض دوله أكثر من 25%، فقد واجه العالم العربي العديد من القضايا مثل الفقر، نقص البنية التحتية، والنزاع العسكري. ومع ذلك، شهدت المنطقة ظهور مبادرات واعدة مثل التعليم غير الرسمي، وتطبيق التكنولوجيا للوصول إلى المتعلمين البالغين، وإطلاق حملات وطنية مستهدفة لدعم الفئات المهمشة. ومع ذلك، لا تزال هذه الأساليب تفتقر إلى الاستمرارية والتكامل اللازمين لتحقيق نتائج ملموسة.

لا شك أن محو الأمية يرتبط ارتباطًا وثيقًا مع أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، وعلى الأخص، الهدف الرابع الذي يتحدث عن ضمان توفير التعليم الجيد، المنصف، والشامل للجميع. كما أن محو الأمية يساهم في إقرار بعض الأهداف مثل القضاء على الفقر، المساواة بين الجنسين، وتحفيز النشاط الاقتصادي. ولهذا، التعليم هو ركيزة أساسية لبناء عالم أكثر عدلاً واستقرارًا. لم يتم تقديم استراتيجية محو الأمية ولم يتسن تحقيقه منفردًا من جانب الحكومات، لا بد من الاستفادة من المجتمع المدني. إن إشراك المؤسسات الأهلية، استعمال وسائل الإعلام، وبعض التقنيات الحديثة لتطوير برامج تعليمية مبدعة، هي وسائل ممكن أن تساهم في تسريع التغيير. و هنا يأتي دور المبادرات التعليمية الرقمية، التطبيقات، والمنصات التي توفر للراشدين إمكانية تعلم الذاتية بالوتيرة التي يريدونها.

في الرابع عشر من نوفمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي لمحو الأمية ويكتسب طابعًا خاصًا، لأنه لا يعتبر علامة فقط في الصفحات، بل نداء تحذيري يدعو الجميع إلى تحمل مسؤولياتهم . الأمية، جرح لا يزال ينزف في جسد هذا العالم، يتطلب مواجهته وعي مشترك وعزيمة سياسية واجتماعية وصحية، واستثمارحقيقي في التعليم . إننا إذا أردنا مستقبلًا يتصف بالعدل والإنصاف، فلا بد أن نجعل من التعليم أولوية عليا، لأنه المفتاح الذي يفتح أبواب الكرامة والتنمية. ولن يكون المستقبل أفضل ما لم يمنح كل طفل، وكل أنثى، وكل إنسان، حقه في أن يكتب قصثه بيده، ويقرأ طريقه نحو حياة كريمة.

"كل كتاب يفتح هو نافذة جديدة تفتح على العالم، وكل قلم يُمسك هو خطوة أولى نحو الحرية." لذلك اكتب قصتك بيدك ولا تدع الأمية تكتبها عنك.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }