في البداية، وُجد الكلام ليكون رابطًا بين الأرواح، ولغة تعبر عن المشاعر قبل أن تُكتب الكلمات. لكن ماذا يحدث عندما يقل الكلام، ويصبح السكوت حاضرًا دائمًا في منازلنا؟.
السكوت هنا ليس مجرد هدوء قبل النوم، هو فرصة للتفكير؛ بل هو سكوت جاف، يتدلى من جدران البيوت مثل الستائر الثقيلة، ويخفي خلفها غرباء يعيشون في نفس البيت. يجلس هؤلاء معًا، لكن بين عينين هناك شاشة مضيئة، وبين قلبين فراغ كبير.
تغيرت صورة البيت العربي. لم يعد هو المكان الذي يعج بالأحاديث حول فنجان من القهوة، أو تُروى فيه الجدات قصصاً تستمتع بها العائلة. لقد أصبح المنزل ساحة صامتة، حيث تم تعديل الضحك برسالة على الهاتف، وأصبح السؤال يُختصر بكلمة قصيرة، ثم ينزوي الجميع إلى وحدته.
عندما نصمت فترة طويلة، نفقد أكثر مما نتخيل. نفقد دفء الكلمة، وفضيلة الإصغاء، وتلك اللحظات الصغيرة التي تشكل الذكريات. وما لا يُقال يتجمع مثل الغبار على الأرواح، حتى تكتظ القلوب بما لم يُخبر.
قد يبدو السكوت خيارًا سهلاً في زمن الضجيج، لكنه عندما يستقر في البيوت يتحول إلى عدو غير مرئي. يسرق العلاقات ببطء، ويخلق قلوبًا بلا حديث، وأجيالاً تعرف كيف تكتب رسالة على الإنترنت، لكنها لا تدرك كيف تستمع لهمسات من يجلس أمامها.
لا يحتاج كسر هذا الصمت إلى خطب أو بيانات، بل يحتاج إلى كلمة صادقة، ابتسامة سريعة، أو سؤال حقيقي لا ينتظر جوابًا رسميًا. فالكلمة أكثر من مجرد أحرف، إنها أكسجين الروح. وعندما تُغلق البيوت على صمتها، تختنق الأرواح حتى في أرحب الغرف.
دعونا نكسر صمتنا، قبل أن يصبح المنزل مجرد جدران يسكنها غرباء.