في قلب البادية الشرقية، حيث يمتد الأفق بلا نهاية وتتشابك الرمال مع زرقة السماء، كانت قصة المها العربي تتلاشى شيئاً فشيئاً حتى كادت أن تُمحى، في خمسينيات القرن الماضي، خبت أصوات حوافره، وتلاشى بياضه الناصع بين الكثبان، بعدما اجتمعت عليه قسوة الطبيعة وجشع الصيد.
عام 1965، شوهد المها العربي آخر مها في صحراء الأردن، وكان ذلك المشهد بمثابة الوداع الأخير لأيقونة حملت في جمالها ملامح الصحراء.
لكن، كما تنبع الحياة من قلب الصحراء القاسية، بدأت حكاية العودة. ففي العام 1975، تأسست محمية الشومري للأحياء البرية كأول محمية طبيعية في الأردن، لتتحول إلى موطن جديد لبعث الأمل. ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى نصف قرن، كبرت قصة المها العربي من جديد، لتصبح رمزاً للإرادة الإنسانية في حماية الطبيعة وصون التراث البيئي.
في التاسع من أيلول من كل عام، تحتفي محمية الشومري للأحياء البرية بيوم المها العربي، الذي يشكل مناسبة بيئية ووطنية للتذكير بأهمية هذا الحيوان الأيقوني الذي عاد ليستوطن البادية الأردنية بعد عقود من الانقراض المحلي.
تكتسب فعالية هذا العام طابعاً خاصاً، إذ تتزامن مع مرور خمسين عاماً على تأسيس محمية الشومري عام 1975، كأول محمية طبيعية في الأردن وبتوجيهات من المغفور له الملك الحسين بن طلال، لتكون مركزاً لإعادة توطين المها العربي، الحيوان الوطني للمملكة.
مدير المحمية، عبيدة الحريشة، أوضح أن المها العربي كان قد انقرض محلياً نتيجة الصيد الجائر وتدهور موائله الطبيعية، إضافة إلى نفوق أعداد كبيرة منه في خمسينيات القرن الماضي بسبب التسمم خلال حملة مكافحة الجراد، مشيراً إلى أن آخر مشاهدة له في بيئته الطبيعية كانت عام 1965.
وأضاف أن الجمعية الملكية لحماية الطبيعة بدأت برنامج إعادة التوطين عام 1978 بـ11 رأساً من المها العربي، جُلب ثمانية منها من الولايات المتحدة وثلاثة من دولة قطر، ليتضاعف العدد اليوم ويصل إلى نحو 120 رأساً، تعيش ضمن بيئة طبيعية آمنة على مساحة 22 كيلومتراً مربعاً، بينما خُصصت مجموعة أخرى في حظائر الإكثار لتأمين استدامة القطيع.
ويتميز المها العربي بقدرات فريدة على التكيف مع قسوة المناخ، إذ يتحمل الحر والبرد كما يفعل الجمل، ويستطيع استشعار رائحة الأمطار على بعد يصل إلى 90 كيلومتراً. كما تقود القطيع أنثى هي الأكبر سناً، في سلوك يبرز الطبيعة الاجتماعية لهذا الحيوان.
الحريشة أكد أن الاهتمام الملكي بالمحميات الطبيعية كان ركيزة أساسية في نجاح هذه الجهود، لافتاً إلى إطلاق أول قطيع من المها في بيئته الطبيعية بعدد 31 رأساً في العام 1983، فيما قدم الديوان الملكي دعماً لإقامة مركز زوار ومؤخراً مركز بيطري إقليمي لتوسيع برامج إعادة التوطين وحماية الأنواع المهددة بالانقراض.
فعاليات يوم المها العربي هذا العام شهدت مشاركة واسعة من مؤسسات الدولة والشركاء ووجهاء المجتمع المحلي، إلى جانب الجمعيات البيئية والتعاونية والخيرية، إضافة إلى طلاب مدارس قضاء الأزرق الذين انخرطوا في أنشطة توعوية بيئية.
كما جرى تكريم عدد من الموظفين المتقاعدين الذين خدموا في المحمية لسنوات طويلة تقديراً لجهودهم في حماية الطبيعة.
وأشار الحريشة إلى أن هذه المناسبة لا تقتصر على الاحتفال بإنجاز بيئي، بل تعزز العلاقة مع المجتمع المحلي وتبرز الدور التنموي للمحمية من خلال توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ومنح الأولوية في التوظيف لأبناء المنطقة، مؤكداً أن المحميات مؤسسات اقتصادية تنموية تدعم حق الإنسان في بيئة نظيفة وحياة كريمة.