تحقيق مستهدفات قطاع التعدين الأردني حتى عام 2033 ، حسب الوثيقة القطاعية للتعدين ضمن رؤية التحديث الاقتصادي المرحلة الثانية 2026- 2029،ليس حلمًا بعيدًا بل فرصة واقعية إذا ما جرى التحرك بخطى سريعة ومدروسة فالقطاع اليوم أمام مفترق طرق، إما أن يبقى مجرد مصدر للمواد الخام منخفضة القيمة، أو أن يتحول إلى رافعة اقتصادية عبر تصنيع تحويلي عالي القيمة قادر على المنافسة في أسواق عالمية تزداد تشددًا بيئيًا وتكنولوجيًا، الأرقام المستهدفة تبدو واضحة: رفع القيمة المضافة للناتج المحلي الإجمالي من 0.77 مليار إلى 2.97 مليار دينار، وزيادة الصادرات من 2.1 مليار إلى 2.7 مليار دينار بحلول 2029 ثم توسيعها حتى 2033، مع المحافظة على المساهمة في الناتج المحلي بين 3–4%،وفي الوقت نفسه سيتراجع العدد الكمي للعمالة من 30.1 ألف إلى 21.5 ألف عامل نتيجة الأتمتة، لكن ذلك لن يعني خسارة فرص العمل بل انتقالها إلى وظائف نوعية أكثر إنتاجية في مجالات الهندسة، البحث، والصيانة التقنية.
لتحقيق هذه الطموحات، يحتاج الأردن إلى تغيير معادلة القطاع من جذورها، البداية تكون بالتحول من بيع الخام إلى تصنيع منتجات تحويلية ذات قيمة أعلى: أسمدة مركبة متخصصة بدل الفوسفات الخام، زجاج وسيليكا للطاقة الشمسية بدل الرمال العادية، ودولومايت وإسمنت منخفض الكربون بدل الحجر الجيري الخام،هذه القفزة في سلاسل القيمة يمكن أن تضيف مليارات الدنانير إلى الناتج المحلي وترفع الصادرات إلى أسواق متقدمة تبحث عن منتجات "خضراء" ومعتمدة كربونيًا، لكن التصنيع وحده لا يكفي فالتكلفة التنافسية للطاقة والمياه هي الشرط الحاسم للقدرة على الإنتاج والمنافسة عالميًا، وهنا يأتي دور السياسات الاقتصادية لتوفير عقود طاقة متجددة بأسعار مستقرة، ومصادر مياه صناعية معاد تدويرها أو محلاة بتعرفة ثابتة.، كما أن سرعة الترخيص ستحدد جاذبية الاستثمار لذلك فإن إنشاء نافذة موحدة وإطار تشريعي مرن هو شرط أساسي لجذب المستثمرين، والتمويل بدوره يحتاج إلى ابتكار فمشروعات التحويل المتقدم لا تقوم فقط على رأس المال المحلي، بل تتطلب تمويلًا متنوع المصادر يجمع بين البنوك المحلية، ومؤسسات التمويل الدولية، والسندات الخضراء، هذا المزيج يتيح تخفيض كلفة رأس المال وجعل المشاريع مجدية اقتصاديًا أما الأسواق، فلن تفتح أبوابها بسهولة إلا أمام منتجات تحمل شهادات مطابقة كربونية وبيئية معترف بها دوليًا، وهو ما يتطلب بناء منظومة قياس ومراجعة شفافة منذ الآن.
النقطة الفاصلة بين النجاح والإخفاق لن تكون في وضع الأهداف بحد ذاتها، بل في الانضباط بالتنفيذ وشفافية القياس شهريًا.، فالمتابعة المستمرة لمؤشرات الأداء من سرعة الترخيص إلى نسبة المنتجات التحويلية من إجمالي الصادرات ، هي التي تضمن أن المسار نحو 2033 يسير في الاتجاه الصحيح ، إذا استطاع الأردن أن يوازن بين الاستغلال الأمثل لموارده التقليدية وتطوير صناعات تحويلية عالية القيمة مدعومة بسياسات طاقة ومياه تنافسية، وترخيص سريع، وتمويل مبتكر، وشهادات بيئية نافذة، فإن تحقيق هذه المستهدفات بحلول 2033 ليس فقط ممكنًا، بل سيكون قصة نجاح وطنية تُثبت أن التعدين قادر على أن يكون قاطرة تنمية مستدامة في عصر الطاقة المتجددة والذكاء الصناعي.