في هذا الوقت من العام ينشغل أولياء الأمور بمستقبل أبنائهم الجامعي، ومع القرارات الأخيرة بتقليص أعداد المقبولين في تخصصي الطب وطب الأسنان بالجامعات الحكومية، يبرز سؤال كبير حول مدى صواب هذا القرار وجدواه على المصلحة الوطنية. صحيح أن أعداد الخريجين بازدياد وسوق العمل يعاني من التشبع، وأن البطالة تهدد الكثير من الأطباء الشباب، لكن ما يثير الاستغراب أن التقليص اقتصر على الجامعات الحكومية، ولم يطل نظيراتها من الجامعات الخاصة التي ما تزال تحصل على موافقات لفتح كليات جديدة، وكأن الخريجين من هناك لن يكونوا جزءًا من البطالة المتوقعه ذاتها التي كانت
سببا بهذا القرار.
ولكني بهذا المقال اريد ان ارى زاوية خفية من المشهد واسلط الضوء عليها
واتحدث من منظور العقل والارقام لا العاطفه؛ فلنتخيل طالبًا حصل هذا العام على معدل 95%، وهو معدل كان لسنوات طويلة مفتاحًا لدراسة الطب. اليوم لن يجد هذا الطالب مكانًا له في أي جامعة حكومية، وبسبب رغبة الطالب القوية هو واهله وحلمه الذي نسجه منذ الصغر ولمدة اثني عشر عاما بدراسة تخصص الطب سيجبرُ أهله على البحث عن مقعد في الخارج مهما كلّفهم الأمر.
وهنا تبدأ رحلة اغتراب باهظة تمتد ست سنوات بين رسوم جامعية مرتفعة وتكاليف معيشة مرهقة، ليعود بعدها طبيباً إلى وطنه حاملاً شهادته، لكن المقلق هنا ان وزارة الصحة ونقابة الأطباء مجبرين على قبوله ضمن أعداد الأطباء العاملين في الأردن، وكأننا لم نقلّص شيئًا وكأن المشكلة ما زالت كما هي.
وهذه لن تكون قصة فردية بل هو السيناريو للعديد من الطلبة والطالبات اللذين قد يصل لعددهم لآلاف، وهنا يبرز السؤال الاقوى ، أليس الوطن هو الخاسر من كل الجهات؟
ستخسر الجامعات الحكومية مصدر دخل من هؤلاء الطلبه الاردنيين المغتربين يمكن أن يخفف من مديونيتها،
وسيخسر الاقتصاد الأردني الاف ان لم يكن ملايين الدنانير من العملات الصعبة التي تُضخ في أسواق دول أخرى من ابناء الاردن
والتي ستذهب بين مصاريف معيشية وسكن وتذاكر سفر
وستخسر الأسر استقرارها المالي بمبالغ طائلة في سبيل حلم مشروع كان بالإمكان أن يتحقق داخل الأردن.
والأدهى أن الخسارة لا تقف عند المال فقط، بل تمتد إلى ما هو أعمق؛ فالأهل يخسرون صحتهم وطمأنينتهم، ويعيشون سنوات طويلة من القلق والضغط النفسي بسبب غربة الابن أو البنت، وما تحمله من بعدٍ عاطفي وفقدانٍ يومي لوجودهم بجوارهم، ليصبح الحلم الذي سعوا لتحقيقه ثمنه غربة ووجع قلب لا يُقدَّر. وفي النهاية يبقى الأردن الخاسر الأكبر، إذ أن من يريد دراسة الطب سيدرسه، إن لم يكن هنا فخارج البلاد، وسيعود في كل الأحوال ليُضاف إلى الأعداد ذاتها التي قُلصت لتخفف من البطالة
لكن طبيبنا عاد وانضم لنظرائه وكنتيجة
ما زالت مشكلتنا موجوده كما هي
وكأنك يا بوزيد ما غزيت.
من هنا أجد أن الحل لا يكون فقط في تقليص المقاعد، بل في ابتكار سياسات أكثر توازنًا. لمَ لا يُستحدث نوع من القبول الخاص داخل الجامعات الحكومية لتخصصي الطب وطب الأسنان، يكون في منزلة وسطى بين القبول الموازي والقبول الدولي؟ رسومه أعلى من القبول الموازي وأقل من الدولي، ويُخصص حصريًا لأبناء الوطن. هذا القبول سيكون متنفسًا للطلبة الذين لا يجدون فرصة عبر القبول العادي والموازي مع تحقيقهم لمعدل القبول العام بهذه التخصصات، وسيشكل في الوقت نفسه مصدر إنعاش للجامعات الحكومية المثقلة بالمديونية، بدلًا من دفع الطلبة إلى الغربة ودفع أموال طائلة إلى الخارج.
ألم تستوعب جامعتنا الحكومية في بعض السنوات السابقه الاف الطلبة وتمكنت طاقاتهم الاستيعابية من احتوائهم وهم الان على ابواب التخرج.
قد يكون من المفيد أيضًا إعادة النظر بأعداد المقبولين في الجامعات الخاصة وضبطها بما يتوافق مع حاجة سوق العمل الفعلية،
إلى جانب توجيه الطلبة نحو تخصصات حديثة وواعدة يحتاجها الاقتصاد الأردني والإقليمي في المستقبل القريب. ولا ننسى اعادة النظر بتعيينات وزارة الصحة من حيث الاعداد الحقيقية على ارض الواقع التي تخدم المواطن، فما زالت المستشفيات والمراكز الصحية بكل ارجاء الوطن تصرخ من قلة الكوادر الطبية وشحها رغم وجود اعداد كبيرة من الخريجين.
وبحل كل هذه العقبات عندها فقط سيصبح القرار متوازنًا ويخدم المصلحة الوطنية حقًا، بدل أن يكون مجرد أرقام على الورق تقود في النهاية إلى خسائر لا يتحملها سوى الوطن.