عندما نسمع تصريحًا رسميًا يؤكد أن في الأردن أكثر من16 ألف موقع أثري مسجل لدى دائرة الآثار العامة، نشعر بالفخر أولًا، لكن سرعان ما يتبدد هذا الشعور عندما نكتشف أن ٣٦ موقعا فقط من هذه المواقع فعال بشكل كلي ونقصد انه مجهز بالفنادق والمطاعم والطرق والخدمات المختلفة، فيما يحتاج الباقي إلى المزيد من العمل . هذه المفارقة المؤلمة تطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يتم إغفال آلاف المواقع، بدل أن يُعاد تأهيلها وتنظيمها بشكل منهجي يحفظ حق البلد وحق الأثر وحق التاريخ؟
مدراء الاثار حاولوا في السابق ايجاد مصادر دخل تزيد من أعداد المواقع الأثرية وترفع من سويتها لكن المهمة كبيرة وتحتاج إلى مساعدات ومنح خارجية اكثر من ما هو موجود في مخصصات الدائرة في الموازنة العامة ، فظل واقعنا على حاله دون تغيير
جذري لواقع الحال.
أتحدث هنا من واقع خبرة تمتد إلى 15 سنة من التدريس في الجامعات الأردنية، خرجت خلالها أكثر من 3000 طالب في تخصصات الآثار والسياحة، معظمهم لم يحصلوا على فرصة عمل في مجالهم، ليصبحوا جزءا مما يسمى بـ “الفاقد التعليمي الجامعي المؤهل لسوق العمل”. أليس من الأجدر أن يتم الاستفادة من هؤلاء الشباب في مواقعنا الأثرية بدل أن تبقى مغلقة؟ أليس من الأنسب أن يكون التوجه أن يتم إبرام الاتفاقيات الدولية والدعم الخارجي نحو إعادة إحياء هذه الكنوز بدل تركها رهينة النسيان؟
بالطبع مع الحفاظ على ان تبقى تلك المواقع ملك الحكومة دون الخوض في تسميات الخصخصة المتعددة.. ان تبقى ملكا للوطن.
نحن نحترم المواقع الأردنية المدرجة على
قائمة التراث العالمي، لكن من المؤسف أن نقول إن لدينا فقط 7 مواقع مسجلة من أصل 16 ألف! كيف يُعقل أن يظل هذا الإرث الضخم بلا استغلال فعلي؟
مع العلم أن هناك ٤٦ موقعا آخر ينتظر أن يتم إلحاقه وإدراجه في لائحة التراث العالمي.. إلى أن نأخذ الموافقة من مؤسسات اجنبية عاملة هنا لها كل الاحترام والتقدير على الجهود التي تبذلها… لكن أين ذهب خريجونا.. اليس بالإمكان تكثيف تدريبهم وجعلهم يلتحقون بافضل تأهيل وتدريب وتكون لهم اليد العليا في اتخاذ القرار بأن يكون هذا الموقع ملائم ومناسب حسب معايير اليونسكو والاتفاقيات الدولية السابقة والمبرمة بهذا الخصوص .
البتراء اليوم، رغم عظمتها، أصبحت “مستهلكة” سياحيًا نتيجة الضغط الهائل عليها. آن الأوان لفتح مواقع جديدة أمام الزوار، وتوزيع الحركة السياحية على مختلف المحافظات، لتخفيف الضغط عن البتراء من جهة، وخلق فرص اقتصادية جديدة من جهة أخرى.
فالمجتمعات المحلية المحيطة بالمواقع الأثرية وخاصة في أطراف المحافظات وخريجون في علوم الاثار والسياحة وهم بلا وظائف ولا مصدر دخل..
إن السياحة الأثرية والتراثية ليست مجرد خيار، بل هي فرصتنا الحقيقية لمواجهة التحديات الاقتصادية . إذا ما أُحسن استغلال هذا المورد، يمكن أن تكون السياحة الأثرية والاقتصاد السياحي رافعة أساسية للنمو، وحلقة وصل بين الماضي العريق والمستقبل المزدهر.