لم يكن الأردن في يوم من الأيام دولة عابرة في مسيرة الأمة، بل كان وما زال الملاذ الآمن والبيت الكبير الذي فتح قلبه وصدره لكل ملهوف، واحتضن أشقاءه العرب في أوقات الشدّة والضيق، حين أغلقت الأبواب في وجوههم ولم يجدوا مأوى إلا بين أهله.
منذ النكبة الفلسطينية عام 1948، كان الأردن الحضن الدافئ الذي استقبل مئات الآلاف من اللاجئين، ولم يتعامل معهم كغرباء، بل اعتبرهم جزءًا من نسيجه الوطني. وفي الحروب المتعاقبة، ظل الأردن سندًا وعونًا، لا يتاجر بمعاناة أشقائه ولا يساوم على كرامتهم، بل حفظ لهم حقهم واحتضن إنسانيتهم. وكذلك فعل مع أشقائه من العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومع كل من طرق بابه بحثًا عن الأمان.
اليوم، ورغم أن العالم كله يشهد على هذه المواقف المشرفة، نسمع أصواتًا ناكرة للجميل، تحاول أن تبث سمومها وتشوّه صورة الأردن، متجاهلة تاريخه الناصع في التضحية والصبر والوفاء. هؤلاء يتناسون أن الأردن، رغم محدودية موارده الاقتصادية وصعوبة أوضاعه الداخلية، لم يتخلّ عن دوره القومي، ولم يغلق أبوابه أمام أي إنسان جاءه ملهوفًا أو مستجيرًا.
إن الأردن لم يكن يبحث عن الثناء أو المكاسب حين مد يده، بل كان يستجيب لنداء العروبة والإنسانية والرسالة الهاشمية التي تؤمن بأن نصرة المظلوم واجب لا فضل. ومع ذلك، فإن محاولات الإساءة إلى سمعته والتقليل من مكانته لن تغيّر من الحقائق شيئًا، بل ستزيد الأردنيين ثباتًا على مواقفهم، وإصرارًا على التمسك برسالتهم النبيلة.
الأردن الذي فتح قلبه وصدره لكل ملهوف، وكان ملجئا للعرب في محنهم، وصان الكرامة يوم عزّت الكرامة، لا ينتظر من أحد شكرًا ولا عرفانًا، فهو ينطلق من قيمه وأخلاقه ومبادئه الأصيلة التي غُرست في وجدان هذا الوطن منذ فجر تأسيسه، يوم أطلق الهاشميون الرصاصة الأولى في سبيل التحرير والاستقلال والكرامة، إلى جانب العشائر الأردنية وزعاماتها الوفية. لكن في المقابل، الأصل ألا يُقابَل عطاؤه بالنكران، ولا جميله بالجحود.
ولكن الشمس لا يغطيها غربال، فالأردن شامخ، ماضٍ في كرمه، ثابت على مواقفه، لا تهزّه حملات التشويه ولا تنال منه الافتراءات،، ولا تزيده الطعنات إلا ثباتًا ورسوخًا. وسيبقى كما عرفه الجميع: صوت الحق وقلعة الكرامة وعنوان الوفاء.
أما أولئك الذين اختاروا أن يبيعوا ضمائرهم ومواقفهم بثمن بخس، فسيمضي بهم الزمن إلى طيّ النسيان ، وسيبقى الوطن عزيزًا قويًا بهيبته، كبيرًا بقيادته الهاشمية ، منيعا بجيشه واجهزته الأمنية ، عظيمًا بأبنائه الأوفياء. وسيبقى أكبر من محاولاتهم، وأصدق من دعاياتهم، وأبقى من جميع أزماتهم.