بالرغم من حالة الإحباط العام وخمول التفكير وفقدان البهجة التي تسود منذ كتابتي لمقال سابق بذات العنوان وذات ال ( لكن) التي بقيت كما هي ، الا أن القرارات و التصريحات الاخيرة لمعالي الصديق العزيز وزير الصحة الدكتور ابراهيم البدور قد أثلجت صدري لدرجة دفعتني إلى الكتابة مرة اخرى حول النهوض بالصحة التي تمت الاشارة اليها في وسائل الاعلام المختلفة وسأكون موضوعيا وحياديا في طرحي وكعادتي دون مجاملة ولأني أيضا كنت يوما ما في موقع المسؤولية وأتحمل جزءًا من الفشل المزعوم ، فقد أشارت التصريحات أن هناك نهضة صحية كبيرة قادمة ولعلها أعادت الأمل لكثيرين في قطاع يعاني من إرث ثقيل قديم لن تنفع فيه ومعه القرارات السريعة والحلول المؤقتة ، فقد جاءت قرارات معاليه، التي تستهدف تقصير فترات الانتظار لفحوصات الرنين المغناطيسي والتصوير الطبقي من خلال تشغيل الأجهزة في عطلة نهاية الأسبوع وإضافة شيفت مسائي، كخطوات ملموسة على أرض الواقع تترجم الإرادة السياسية للنهوض بالقطاع الصحي إلى إجراءات عملية يلمسها المواطن،هذه القرارات، وإن بدت فنية اجرائية، إلا أنها تضرب مباشرة في أحد أبرز مظاهر المعاناة اليومية: فترات الانتظار الطويلة ، إن تقصير هذه الفترات ليس رفاهية ، بل هو تحسين مباشر لجودة الحياة وتقليل للمعاناة النفسية والجسدية، كما أن الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة يزيد من إنتاجية القطاع الحكومي، ولكن، هل هذه الإجراءات كافية ومستدامة؟ الحقيقة أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تظل حلولاً جزئية ضمن معضلة نظامية أوسع، ولكي تنجح وتحقق غايتها المنشودة، يجب أن ترافقها خطط تشغيلية دقيقة تعالج بعض التحديات الجوهرية ومنها القدرة التشغيلية والفحصية لهذه الاجهزة، حيث أن زيادة الضغط التشغيلي على أجهزة الرنين والتصوير الطبقي يجب أن تتم في إطار التوصيات الفنية للشركات المصنعة لضمان عدم تسريع إهلاكها أو تدهور جودة صورها، فزيادة العبء التشغيلي لهذه الأجهزة دون تخطيط دقيق قد يؤدي إلى تسريع استهلاك مكوناتها الإلكترونية والميكانيكية، مما يقلل من عمرها الافتراضي والى زيادة وتيرة الأعطال والتعطل، خاصة إذا كانت الصيانة الدورية غير منتظمة أو غير كافية وحتما الى انخفاض جودة الصور الناتجة إذا تم تشغيل الجهاز بطاقته القصوى أو لفترات متواصلة دون تبريد كاف وأنا أجزم بان هذه التوصيات او التحذيرات لم تفت على طبيب جراح دماغ ( وزير ) يستخدم مبضعه بحذر شديد جدا ولديه فريق فني متخصص في هندسة الاجهزة الطبية يحظى بتقدير محلي واقليمي ، وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري: هل تمت دراسة الطاقة الاستيعابية القصوى للأجهزة الحالية؟ وهل يتم الالتزام ببرامج صيانة دورية صارمة وممولة مسبقاً لضمان استمرارية عملها تحت الضغط المتزايد؟ لكل جهاز طبي مواصفات تشغيلية محددة من قبل الشركة المصنعة تشمل عدد الفحوصات الموصى بها يومياً / أسبوعياً، وفترات الراحة الإلزامية للتبريد والصيانة الوقائية، و تجاوز هذه التوصيات يعد مخاطرة تقنية عالية، إن نجاح أي قرار لزيادة ساعات العمل (مثل التشغيل يوم السبت أو بنظام الورديات) مرهون تماماً بوجود عقود صيانة دورية صارمة ومسبقة التمويل، بدون ذلك، سيكون التعطل حتمياً، وستخسر الوزارة أي مكاسب حققتها.
الامر الاخر هو الكوادر البشرية التشخيصية، فالقرار الأهم هو توفر الكوادر المدربة تدريبا جيدا على هذه الاجهزة ، فزيادة عدد الصور المنتجة لا معنى لها إذا لم يقابلها زيادة في قدرة قراءة هذه الصور وتحليلها. هل يتوفر عدد كاف من أطباء الأشعة المؤهلين لقراءة وكتابة التقارير الفنية للعدد المضاعف من الصور؟ الضغط على الأطباء لقراءة المزيد قد يؤثر على جودة التشخيص الدقيق، قراءة صورة الرنين تحتاج إلى تركيز ووقت كاف والتسرع قد يؤدي إلى أخطاء تشخيصية قد تكون كارثية على المريض ، يجب أن تقترن أي خطة توسع بخطة توظيف وتدريب لتلبية هذا الطلب المتزايد .
المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في طول قوائم الانتظار، بل في هيكلية النظام الصحي المتشتت بين جهات مختلفة (حكومية، عسكرية، جامعية ) وغياب نظام تحويل صارم. كما تحتاج هذه القرارات إلى دعم مالي مستدام ليس فقط للصيانة، بل لتوظيف الكوادر اللازمة وتدريبها. فيما يتعلق بالتحول الرقمي والتخطيط ، نحن بحاجة ماسة إلى نظام صحي إلكتروني موحد يربط المؤسسات الصحية، ليسرع الخدمة ويقلل الازدواجية ويوفر بيانات دقيقة للتخطيط المستقبلي واتخاذ القرارات المبنية على الادلة .
خلاصة القول، قرارات معالي الوزير ( ابو عمر ) هي بذور طيبة في الاتجاه الصحيح، ولكن لكي تنمو وتثمر، يجب أن تُروى بخطة شاملة تشتمل على: دراسة الجدوى التشغيلية لكل قرار الغاية منه زيادة الانتاجية ، وخطة لتوحيد المرجعية والإشراف على كل مكونات القطاع الصحي ، فليس من الحكمة ان يبقى المجلس الصحي العالي - وهو المؤهل للقيام بهذه المهمة وغيرها من المهام وفقا لقانونه - أن يبقى معلقًا - وأن لا تغفل الخطة عن تعزيز الرعاية الصحية الأولية لتكون صمام الأمان وتخفيف العبء عن المستشفيات المرجعية. الامر الاخر الذي لا يحتمل التأجيل فهو الإسراع في التحول الرقمي وإقرار تشريعات الصحة الإلكترونية ، أما أهم المكونات يبقى اعتماد أدوات التخطيط العلمي مثل " تقييم التكنولوجيا الصحية (HTA) لضمان أن كل إنفاق يحقق أولويات الصحة العامة ، الاردن بلد عالي الانفاق الصحي وجودة متواضعه.
النهضة الصحية حلم ممكن ، لكنه يحتاج إلى رؤية شاملة وإرادة صلبة تستكمل البناء على هذه المبادرات الإيجابية لتحويلها من إنجازات منفردة إلى نظام صحي متكامل، مرن، وقادر على الصمود والاستدامة.