يظنّ البعض ان الرواية الجيدة هي مجرد قصة طويلة محشوة بالمواقف الطريفة والمشاهد المثيرة التي يقصد بها ان تولّد لديهم مشاعر اللذة والدهشة والانبهار، وما عرفوا انها اكبر من ذلك وأبلغ،وتتفوق على المعتاد الدارج من فنونِ السرد الأدبيّ بغوْصها عميقا ليس في النفس البشرية فحسب وإنما في باطن المكان وغابر الزمان، وآخر الامثلة العديدة للرواية الجيدة التي سعدتُ بقراءتها كانت «غيبة ميّ » للروائية اللبنانية المبدعة نجوى بركات التي أهدتني نسخة منها قبل بضعة اسابيع يوم دعاها منتدى شومان الثقافي لحوارٍ حول هذا الفن الادبي العظيم أدارته بكفاءة روائيتنا المتميزة سميحة خريس..
لقد قرأت قبل سنوات قليلة رواية اخرى لنجوى بركات هي «لغة السر» وأعجبني جمال السبك في لغتها والانسيابية في عباراتها،وتمكُّنها من المفردة واشتقاقِاتها بجرأة الكاتبة الواثقة من نفسها في مواجهة أوامر ونواهي معاجم لا يراد لها أن تتحرر وان تتطور، واثناء لقائنا الحميم في «شومان“منبرِنا الثقافي الرصين ازددت اقتناعاً بآرائها الأدبية التي طرحتها دون استفزاز،ثم بلغ انفعالي باسلوبها المؤثر حد فشلي في حبس دموعي عندما قرأت روايتها الجديدة » غيبة ميّ» وهي تصف أحزان ميّ منذ كانت الطفلة المدللة لوالدها،وفي شبابها فنانةً موهوبة متألقة على خشبة المسرح اللبناني،وحين أسلمتْ قلبها الرقيق عنوةً لعاشق انتهازي متسلق لا يستحق ظفرها،ولما دخلتْ شيخوختَها وأحسّت مرتاعة ملتاعة بان عقلها بدأ يخونها كما جسدُها،وبان ذاكرتها أخذت تتآكل وتتسع ثقوبها فوجدناها وحيدة مهمومة في شقتها ببيروت،يدير لها شؤونها الحياتية اليومية عن بعد وينفق عليها ولداها اللذان كانا قد هاجرا إلى امريكا وأصابا نجاحا ماليا منعهما الحرص عليه وتكديسه من واجب اغتنام اي فرصة لزيارتها وهي الأم المسنّة المريضة المتلهفة دوماً لان تكحل عينيها برؤيتهما وان تضمهما الى صدرها، ولا يعوّضها عن ذلك ان ينفذ أوامرهما بأمانة وإخلاص عبر المحمول بوابُ العمارة السوري «يوسف » وهو النازح من حلب طلبا للرزق، وأن يتابع معهما صحتها طبيبُ العائلة اللبناني،أو أن تخفف من وحدتها وكآبتها قطة دخلت حياتهاعُنوةً فهي لا تحب القطط حتى لم تطلق عليها اسماً الا في ايامها الاخيرة..وماذاسمّتها؟..فْريدا،نسبة بالطبع إلى الفنانة السيريالية المكسيكية فْريدا كاهلو التي طبقت شهرتها الآفاق،وخلّد سيرتها الفيلم المعروف باسمها عام ٢٠٠٢ لعلاقتها ايضاً ببعض الأسماء السياسية الكبيرة آنذاك لكنْ المختلف عليها !وقامت بدورها فيه الممثلة اللبنانية الأصل سلمى الحايك.
لقد استعملتْ نجوى بركات في“غيبة ميّ» كثيرا من أدوات كتابة الرواية قديمها وجديدها فأرّخت بعفوية وصدق للمكان لبنان ولأحداثه السياسية كالحرب الأهلية التي اندلعت بحرق باص يحمل فلسطينيين في نيسان ١٩٧٥، وتواصلت معاركها الطائفية الدامية بين فرقاء مختلفين من الشعب اللبناني الواحد العزيز،وما زال الرماد يخفي تحته نيرانا لم تهمد حتى اليوم،وعرّجت المؤلفة ببراعة على تردي الأوضاع الاقتصادية بانهيار الليرة اللبنانية بفعل فاعلين في وضح النهار وكأن الناس كانوا يرونهم من خلال زجاج مكاتبهم الوثيرة في مؤسسات بنكية مرخصة وفي حماية حراسها! كما رسمتْ بريشتها اللوحة الواقعية القاتمة للآلام الفظيعة التي عانى منها مواطنو بيروت جراء انفجار هائل دمّر مرفأها وخلّف جروحاً سحيقة في وجهها الجميل وفي قلوب اهلها قد لا تندمل قبل مرور وقت طويل،لا لانها عصية على الشفاء بل لغياب الشفافية وخراب ذمم بعض الاجهزة المسؤولة المعروفة!
وحين أفردتْ نجوى في روايتها فصلا كاملا تحدثت فيه عن يوسف بواب العمارة السوري او بلسانه كانت -عن قصد- تسلّط الضوء على صورة لا يجوز للتاريخ ان يغفلها وتضم آلافاً مؤلفة من السوريين لجأوا إلى لبنان واضطروا للعمل والعيش فيه،ليس بسبب ثورة ٢٠١١ فحسب بل لاسباب عديدة اخرى ليست مهمتي بحثها هنا.
وبعد..فلعل الذين يدركون نعمة الحرية في اي مجتمع وفضلها في إضاءة نفوس افراده وعقولهم يدركون ايضا أهمية الديموقراطية السياسية، حتى لو كانت نسبية أو متأرجحة في بلد كلبنان او تتخفّى وراءها الليبراليةُ فإنها ما زالت تتجلّى جرأةً وشجاعةً وانطلاقاً وانفتاحاً في مجمل الفنون والآداب والصحافة، وتتبدّى واضحة في أدب الرواية على صعيد الشخصية الفردية او علاقتها بالعائلة والمجتمع والدولة مقارنةً مع بعض شعوب المنطقة طوال تاريخها الحديث منذ انهيار الدولة العثمانية امام الاستعمارين الفرنسي والبريطاني،خصوصا في المجال الثقافي المتعطش لحرية التعبير والتفكير والإبداع،ومن ثم هيمنة الاستعمار الامريكي بأوصاب الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط التي جاهرت بالتخطيط لها كوندليزا رايس قبل عقدين من الزمن بلا أدنى خجل او وجل،ويحترق في أتونها الآن ليس اهل غزة وباقي الفلسطينيين فحسب بل كذلك الاسرائيليون المضلَّلون بوهم المسيحية المتصهينة، والموعودون بمعركة مجدو وعودة المسيح لاقامة مملكته الثانية، وهذه المرة بقيادة الكاوبوي الامريكي الجديد وبنوكه الكبرى ومصانع اسلحته الفتاكة،وبمشاركة البنتاغون في المجمع الصناعي العسكري !
ترى..هل أفسدتُ بهذا التوسع في المقال،وهو في نظري ملحٌّ وضروري،رومانسيةً توقَّعها البعض من نجوى بركات وروايتها؟!