يُقال إن أول رقصة أوزبكية استُلهمت من حركة طائر أسطوري يُسمى “سيمورغ”، رمز الخير والبركة في التراث المحلي. كان يرفرف بجناحيه فوق الواحات ليجلب المطر، ومن هنا جاءت حركات اليدين التي تشبه رفرفة الأجنحة في الرقص، ويستحضر بها الأوزبك الخير ويرحبون بها بالضيف القادم من بعيد.
لم يكن الترحيب الرسمي بالرقصات التقليدية لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين مجرد طقس احتفالي، بل امتدادًا لتلك الأساطير التي رافقت وجدان الشعب الأوزبكي عبر القرون. فكما يرمز “سيمورغ” إلى المطر والبركة، جاءت الرقصات في الاستقبال لتكون رسالة أوزبكستان إلى الأردن: أن حضوركم يعني وفرة وخيرًا وتعاونًا خصبًا.
تأتي الزيارة الملكية في سياق خارطة طريق نشطة بين الأردن وأوزبكستان، بعد سلسلة من اللقاءات الثنائية هذا العام. ففي فبراير 2025، التقى وزيرا خارجية البلدين، أيمن الصفدي وباختيور سعيدوف، في عمّان، حيث تم توقيع برنامج التعاون الوزاري للأعوام 2025‑2027، إلى جانب اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأشيرات لحملة الجوازات الدبلوماسية، وتعزيز التنسيق في المنظمات الدولية والإقليمية، وتوسيع الشراكة بين مراكز البحوث والدراسات.
من الناحية الاقتصادية، شهد عام 2024 تبادلًا تجاريًا بلغ 6.9 مليون دولار، حيث صدّر الأردن منتجات دوائية وكيميائية ومعدات، فيما صدّرت أوزبكستان النحاس والفاكهة والمكسرات ومنتجات الكاكاو. ويأمل الطرفان في مضاعفة حجم التجارة عبر خطوات عملية خلال الفترة المقبلة، تشمل اتفاقيات تجارة تفضيلية وتوسيع التعاون الاستثماري.
الموقع الاستراتيجي يلعب دورًا محوريًا في هذه الشراكة؛ فميناء العقبة يُعد بوابة بحرية لأوزبكستان للوصول إلى أسواق المشرق والخليج، بينما يتيح “الممر الأوسط” الدولي للأردن التكامل الاقتصادي مع آسيا الوسطى، ما يعزز التنوع اللوجستي ويخفض المخاطر. كما أن ربط الاستثمارات بالثقافة والسياحة يُضفي ديناميكية مستدامة تدعم الاقتصاد والمجتمع على المدى الطويل.
تُعد هذه الزيارة تجسيدًا للثقة المتبادلة بين عمّان وطشقند، وتحويل العلاقات الثنائية من مرحلة النوايا إلى التنفيذ العملي، من خلال فتح آفاق للتجارة والاستثمار، وتعميق التعاون السياسي والثقافي، وتعزيز الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية المستدامة.
ويُذكر أن العلاقات الدبلوماسية بين الأردن وأوزبكستان تأسست في 15 فبراير 1993، وشهدت محطات بارزة مثل الجولة الأولى من المشاورات الوزارية في عمّان عام 2019، وصولًا إلى اتفاقيات عام 2025، ما يوضح المسار المستمر لتعزيز الحوار القائم على الاحترام المتبادل والصداقة.
في سمرقند، لم تكن رقصة “سيمورغ” مجرد تقليد عابر، بل رمزًا حيًا لتجسيد الروابط التاريخية والثقافية، ولإعلان فصل جديد من التعاون بين الأردن وأوزبكستان، فصل يأمل الطرفان أن يكون مزدهرًا ومثمرًا لسنوات قادمة.