بينما يواجه الأردن تهديداً وجودياً غير مسبوق نتيجة للتقلبات السياسية الإقليمية والضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة، أصبح الحديث عن الوحدة الوطنية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى حيث يشهد الحوار بين مختلف فئات وشرائح الوطن تصاعداً جدلياً في الحديث عن مفهوم "السرد الوطني الأردني"، تلك القصة المشتركة التي تربط ما بين جميع المواطنين وتشكل الهوية الجامعة القادرة على خلق حالة الالهام لضرورات العمل المشترك، ولكن تحقيق هذا السرد يتطلب فهماً عميقاً لمبادئ بناء الهوية الوطنية ودور سرد القصص في صياغتها وتشكلها.
إن الهوية الوطنية ليست ظاهرة ثابتة أو بديهية، بل سلسلة من الاحداث تتشكل باستمرار من خلال التفاعل بين التاريخ والثقافة والتجربة الحياتية اليومية للأفراد والمجتمع، فنظرية الهوية الاجتماعية تؤكد أن الافراد غالباً ما يستمدون الشعور بالقوة والامان من حالة الانتماء إلى مجموعات اجتماعيه أكبر كالدولة خصوصاً في أوقات التهديد أو الشعور بالخطر، وتضيف نظريات "البنائية الاجتماعية" أن هذه الهويات تُبنى وتُعاد صياغتها باستمرار عبر مجموعة من روايات الاحداث والنشاطات والممارسات المشتركة في المجتمع الذي من خلالها تتولد سردية القصص التي تُشكّل ذاكرة الأفراد وتعمق ارتباطهم بالمجتمع والدولة، لتصبح هذه القصص أداة فعالة في بناء الهوية الوطنية وتوجيهها.
في هذا السياق، لا يمكن اعتبار سردية القصص مجرد ناقل للمعلومات والاحداث بل هي عملية نشطة تربط الماضي بالحاضر ويتم من خلالها بناء الذاكرة الجماعية والقيم المشتركة والطموحات الوطنية وصياغتها وتجديدها باستمرار، فعندما يروي المواطنون قصصهم عن حياتهم وتاريخهم وتجاربهم اليومية تتجمع هذه القصص لتشكل صورة مشتركة عن مفهوم الوطن، ومن خلال مشاركة القصص والاستماع لقصص الاخرين، يشعر الناس بأنهم واصولهم جزء من تاريخ الدولة والمجتمع وتزداد علاقاتهم به قوة ليتكون ما يعرف بالسرد التشاركي الذي يسمح للجميع بالمساهمة والتعبير عن انفسهم مما يساعد على تعزيز الوحدة ويجعل الهوية الوطنية أكثر وضوحاً وحيوية، فعندما يجد المواطن نفسه جزءاً من القصة الوطنية، ينتقل من موقف المتفرج السلبي إلى الطرف المشارك في كتابة قصة مستقبل وطنه.
وبالنظر للسياق الاستثنائي الحالي، ينبغي على الأردن تبني استراتيجية وطنية للمساهمة في بناء قصة وطنية موحدة ترتكز على أسس علمية وتشمَل مشاركة فعالة لجميع فئات المجتمع حيث تشير النظريات الاجتماعية الحديثة إلى أن السردية الوطنية الفاعلة لا تتوقف فقط عند استعادة تاريخ البلاد، بل تعتمد كذلك على دمج تجارب ومشاعر أبناء المجتمع في حاضرهم على اختلاف مناطقهم وشرائحهم العمرية والاجتماعية والثقافية. فالحكاية التي تجمع بين إرث الأردن وتضحياته وتنوعه التاريخي وبين واقع الناس اليوم وتحدياتهم وطموحاتهم قادرة على نسج سردية لقصة جماعية تلامس وجدان الجميع وتوحدهم في مواجهة المصير المشترك.
ولضمان فاعليتها، من الضروري توظيف فريق متعدد التخصصات للإشراف على هذه الاستراتيجية يضم علماء آثار ومؤرخين واعلاميين وفنانين وعلماء سلوك وممثلين عن مختلف قطع الفسيفساء الاردنية حيث يضمن هذا التنوع أن تحمل السردية الجديدة رسائل ومضامين تعبر عن الجميع، وتتم صياغتها بطريقة تستند إلى تحليل علمي دقيق وتفسيرات عميقة للذاكرة الجماعية والهموم المشتركة. وبناءً على مبادئ علم السلوك، فإن أثر هذه السردية لا يعتمد فقط على مضمونها، بل يتأثر أيضاً بأسلوب تقديمها والأشخاص الذين ينقلونها إلى المجتمع إذ تلعب المصداقية والتواصل الفعّال دوراً محورياً في وصول الرسائل وتعزيز حضورها في وجدان المواطنين.
كما ينبغي أن تقوم الاستراتيجية على مفاهيم أساسية مثل الشفافية في الإدارة وتأسيس آليات عملية واضحة لجمع ورصد القصص والمشاركة المجتمعية وتكريس الشراكة الحقيقية بين القطاع الحكومي والهيئات الأكاديمية والثقافية والمجتمع المدني، مع اعتماد عملية قياس دقيقة للمخرجات بصورة مستمرة لمتابعة مدى تجاوب المجتمع مع عناصر السردية مما يسمح بتحديثها وتطويرها بما يتناسب مع تغير الظروف والتطلعات الوطنية، كذلك يجب ترجمة السردية إلى مبادرات وبرامج عملية في التعليم والإعلام والثقافة والسياسات العامة لضمان تأثيرها الملموس في حياة المواطنين وتعزيز الوحدة والسلوك الجماعي الإيجابي.
وبالرجوع الى تجارب مشابهة من عالمنا العربي، تُعد تجربة المغرب عبر برنامج "ذاكرة" مثالاً عربياً بارزاً في بناء سردية وطنية شاملة. فقد أُطلق البرنامج عام 2021 بهدف إشراك المجتمعات في توثيق وحفظ ونقل الذاكرة الجماعية المتنوعة لهويات المغرب عن طريق اجراء سلسلة من الحوارات المجتمعية والفعاليات التفاعلية اشترك فيها الشباب والنساء والمدارس والمرشدون السياحيون بالإضافة لمبادرات توثيق المواقع التراثية والدينية، وقد ساهم البرنامج في تحفيز المجتمعات المحلية على اكتشاف قصصها المشتركة وتعزيز الحوار بين الفئات الدينية والثقافية المختلفة مما أدى إلى بناء هوية وطنية أكثر تماسكاً وتقبلاً للتعدد وتفعيل قيم التضامن والانتماء.
لا يخفى على أي مراقب سياسي أن قوة الجبهة الداخلية هي الأساس في قدرة أي دولة على الصمود أمام الضغوط، والأردن خير مثال على ذلك ، فعلى مدى قرن من الزمان، ورغم كل التحديات والمصاعب التي واجهها، تمكن هذا الوطن من أن يصمد ويزدهر محققاً إنجازات استثنائية في الاستقرار والوحدة الوطنية، وكان المحرك الحقيقي لهذه القدرة الفريدة على الصمود هو القصة الوطنية التي كتبتها مكونات المجتمع الأردني المتعددة وقادها النظام الهاشمي بحكمة واتزان، فصارت رواية الانتماء والوحدة ركيزة الأمن والنماء، إن الحفاظ على هذه السردية وتغذيتها وتجديدها باستمرار هو حجر الأساس لمستقبل أفضل لأجيال الأردن القادمة وهو الضمانة الحقيقية لازدهار الوطن وقدرته على عبور كل المنعطفات مهما بلغت التحديات.