لا تُقاس قيمة المكان بضخامة مبانيه أو تطور أجهزته فحسب، بل بالروح التي تملأ أركانه، وبهمسة الضمير التي تقول للزائر: "أهلاً بك في بيت الحياة، حيث تُمنح الفرص من جديد". هذه المشاعر استقبلتني وأنا أتخطى عتبات بنك الدم في غرب عمان في زيارةٍ دورية للتبرع بالدم ، لأخرج منها محملاً بإيمان أعمق بالكرم، وبصورة ناصعة عن النظام والتفاني تجسّدت في أبهى صورها ، لعلها بدأت باتصالي مع الزميل العزيز مدير بنك الدم الدكتور علاء سلامة الذي اعتدت التنسيق معه قبل كل زيارة لبنك الدم تحوطا من اي ازدحام او ما شابه ذلك وكنت دوما اسمع منه " ابشر وحياك الله " معتقدا انها معاملة خاصة لي تنطوي تحت بند زمالة المهنة ، لكن من اللحظة الأولى لدخولك بنك الدم ، يغمرك إحساس بالطمأنينة، صمتٌ محترم يخيم على المكان، لا صمتا فارغا، بل هو هدوءٌ ناطقٌ بالثقة والرهبة. كلمات الموظفين خافتة ومدروسة، وكأن الجميع يدرك أن هذه البقعة محرابٌ للعطاء، موظف الاستقبال لم ينتظر حتى أبدأ الحديث، بل بادرني بابتسامة ترحيب دافئة، وسأل عن حالي قبل أن يسأل عن غايتي، وكأنه يريد أن يطمئن أولاً على "الإنسان" القادم إليه قبل "المتبرع"، حوّل اللحظة الروتينية إلى لقاء إنساني قصير، فتبددت معه أيّ شائبة قلق.
ما إن تتجاوز باب الاستقبال حتى تُبهرك عيناك بمستوى النظافة،أرضيات تعكس أنوار المصابيح ، وجدران بيضاء ناصعة كالثلج، تعلن براءتها من أي غبار، النظافة هنا ليست للزينة، بل هي رسالة صامتة لكنها صادحة: "أنت في مكانٍ يعزّ سلامتك، ويقدّس صحتك".
رائحة المعقّمات تملأ الجو برقة، لا لتذكرك بمرفق صحي ، بل لتطمئنك على معايير السلامة وضبط العدوى التي تفوق التوقعات. رأيت عامل النظافة وهو يمسح مقابض الأبواب بدقةٍ استثنائية، لا لأنه مُلزم بذلك، بل لأنه- مثل الجميع-آمن بأن النظافة حقٌ للمتبرع ودرعٌ واقٍ للجميع.
العاملون هنا ليسوا موظفين عاديين يؤدون مهاماً، بل حراسٌ لأمنٍ قومي إنساني ، في غرفة التبرع، قادتني النشمية ( رشا) الى سرير التبرع ، لم أرَ على محيّاها سوى التركيز الذي يشبه تركيز جرّاح في غرفة عمليات ، قدّمت نفسها بوضوح، وشرحت لي كل خطوة قبل أن تقوم بها، وحرصت على سؤالي عن راحتي أكثر من مرة ، تطهير مكان الإبرة لم يكن مجرد خطوة في البروتوكول، بل كان طقساً يحمل قدسية الحفاظ على الحياة-حياتي وحياة من سيستقبل هذه الهبة. وهكذا كان زملاء ( رشا) في قاعة التبرع ، اداء بصمت ، عيون تراقب الممدين على الاسرة تسمع فقط ( امورك كويسه ) .
لاحظت كيف تتناغم حركات الفنيين في رقصة صامتة من التعاون والكفاءة ،احدهم لاحظ ارتباكاً خفيفاً على وجه متبرع، فوراً بادر بتزويده بعصير طازج ،هذا الاهتمام الذي يسبق السؤال، هذه النظرة التي ترى ما خلف الوجه، هي سرّ تميز هذا المكان.
الاحترام هنا ليس شعاراً على حائط، بل هو ثقافة متجذرة في كل التفاصيل، بدءاً من الخصوصية التامة أثناء الفحص ، مروراً بركن الاسترخاء ، ووصولاً إلى كلمات الشكر التي تُقال بنبرة الامتنان لا المجاملة، لقد صمموا ركن الانتظار ليشبه صالة في فندق- مقاعد مريحة، ومناخ منعش- ليقولوا لك: "وقتك ثمين، وعطاؤك غالٍ، ونحن نقدّره".
التنظيم هنا يشبه أوركسترا سيمفونية- كل عازف يعرف دوره، وكل نغمة تأتي في وقتها ، من تسجيل البيانات إلى الفحص إلى سحب الدم ثم الراحة، كل مرحلة تنتهي لتبدأ التي تليها في سلاسة مطلقة،حتى أكياس الدم مُخزنة بطريقة تحكي قصةً عن الدقة والاحتراف.
بنك الدم في غرب عمان لم يعد في ذهني مجرد مرفق صحي، بل تحوّل إلى منارة للعطاء المنظم، وإلى نموذج يُحتذى به في كيفية تقديم الخدمة مع الحفاظ على كرامة الإنسان، هنا لا تُباع الدماء، بل تُوهب الحياة،هنا لا تُقدّم خدمات، بل يُمنح الأمل.
خاتمة الكلام ، زياراتي لبنك الدم علّمتني أن التبرع بالدم هو ليس مجرد إخراج للدم من الجسد، بل هو أيضاً استقبال للإيمان، وللثقة بأن هناك من لا يزال يصنع المعجزات بصمت داخل جدران هذا المكان ، ولعلها فرصة ان اهمس في اذن زميلي العزيز معالي وزير الصحة " ابو عمر " قائلا " في بنك الدم قوم يستحقون الشكر و التكريم.