ها أنا أكتب وأنا في العقد الرابع من عمري، أستحضر ما فاتني يوم كنتُ شاباً يافعاً، حين حُرمت من شرف خدمة العلم الذي كان ولا يزال حلماً يراودني كلما رأيت نشامى الجيش العربي يخطون بثبات على تراب الوطن. كنت أشعر حينها أنني فقدت فرصة العمر، فقداناً لا يُعوَّض، فرصة لصقل الروح قبل الجسد، ولغرس قيم الانضباط والعطاء والتضحية في داخلي. وها أنا اليوم أقرأ قرار سمو ولي العهد بإعادة خدمة العلم، فأشعر كأن الأقدار تعوضنا بما يزرع الأمل في أبنائنا، ويعيد للوطن نبضه المتوثب بالحياة.
إنها ليست مجرد عودة إلى برنامج رسمي، بل هي ولادة جديدة للروح الوطنية في زمن كثرت فيه الرياح العابرة، التي حاولت أن تقتلع أبناءنا من جذورهم. فخدمة العلم يا سادتي، ليست تدريباً عسكرياً فقط، بل هي مدرسة حياة يتخرج منها الشباب وهم يحملون في قلوبهم معنى الانتماء الحقيقي، وفي عقولهم وعي الانضباط، وفي سلوكهم نبض الرجولة والشهامة. هي رحلة قصيرة المدى، لكنها عميقة الأثر، رحلة تعيد صياغة الإنسان ليكون أقوى وأصفى وأشد التصاقاً بأرضه.
لقد كنتُ أسمع من رفاقي الذين نالوا هذا الشرف عن مآثر تلك الأيام، كيف كانوا يصحون على صوت الصافرة في الفجر، فيركضون نحو الميدان وقد تركوا الكسل خلفهم، وكيف تعلموا أن الطاعة ليست إذعاناً بل التزاماً، وأن النظام ليس تقييداً بل طريق للحرية الحقيقية. كانوا يتحدثون عن طعم الخبز في صحن الجندية، عن صداقات صارت أعمق من الأخوة، عن لحظات التعب التي تذوب حين يعلو علم الوطن في الأفق، تلك الحكايات كانت تزرع في نفسي غصة، لكنها اليوم تتحول إلى فرح، لأن أبناء هذا الجيل سيذوقون ما ذاقه أولئك الأبطال.
وها هو سمو ولي العهد، الجندي الذي تشرب قيم العسكرية، يطل علينا ليقول بصدق وإيمان: "إعادة خدمة العلم تأتي تلبية للخطة الوطنية، وتعزيزاً للانضباط والهوية والانتماء". كلمات تختصر رؤيته العميقة ووعيه بأهمية العسكرية وروح الضبط والربط والتهذيب، فقد خبر سموه الميدان وعرف معنى أن تكون جندياً، وتعلم شرف البزة التي تحمي الأرض وتصون العرض. إن قراره اليوم يترجم قناعة راسخة بأن لا مستقبل لوطن من دون شباب أقوياء متماسكين.
إننا نحيي هذه الخطوة بكل ما فينا من محبة وإخلاص، فهي قرار يعيد للوطن بريقه، ويرسخ في الأجيال القادمة معنى التضحية والفداء. ومن موقعي كمواطن، أدعو جميع أبناء الوطن إلى أن يكونوا سنداً لهذه الخطوة، كلٌ من موقعه، في البيت، في المدرسة، في الإعلام، في المنبر، فالوطن يُفدى بالأرواح والأموال وكل غالٍ ونفيس.
اليوم، ونحن نبارك هذه الخطوة المباركة، ندرك أن خدمة العلم ليست مجرد واجب يؤديه الشباب، بل هي عهد بين الإنسان والأرض، عهد بأن يبقى الأردن عصياً على كل دخيل، ثابتاً على قيمه، نابضاً بشبابه، فلتكن هذه العودة بداية لمسيرة جديدة، ترسم لنا مستقبلاً آمناً، ولتكن دماء شبابنا سداً يحمي الوطن، وأحلامهم جناحين يرفعانه نحو سماء العزة والكرامة.