قرار ولي العهد بإعادة خدمة العلم بعد انقطاع دام عقودًا لا يمكن اعتباره مجرد إجراء تنظيمي في بنية المؤسسة العسكرية، بل هو خطوة استراتيجية تعكس رؤية شمولية لإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين الشباب والمؤسسة العسكرية. إنها ليست مجرد عودة لتقليد قديم، وإنما إعادة تعريف لمفهوم المواطنة، والانتماء، والاستعداد للدفاع عن الوطن في عالم مضطرب يموج بالتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
منذ عقود، شكّلت خدمة العلم بوابة رئيسية لتأهيل الشباب وإعدادهم للانخراط في الحياة العسكرية، واكتساب قيم الانضباط والالتزام وروح الفريق. لكن توقفها لأسباب اجتماعية واقتصادية في فترات سابقة ترك فراغًا واضحًا، سواء في الجانب الأمني المرتبط بالجاهزية الوطنية، أو في الجانب الاجتماعي المرتبط بقدرة الشباب على التكيف مع المسؤولية الجماعية. اليوم، ومع إعلان عودتها، تفتح صفحة جديدة تنسجم مع متغيرات العصر، لكنها تظل متجذرة في ثوابت الدولة التي ترى في الشباب طاقة لا يمكن تركها دون توجيه وإعداد.
العالم اليوم يعيش في بيئة متوترة، حيث تزداد التهديدات الأمنية التقليدية وغير التقليدية. من الإرهاب العابر للحدود، إلى الحروب السيبرانية، إلى النزاعات الإقليمية التي قد تمتد شرارتها إلى الداخل. وفي ظل هذه الظروف، يصبح إعداد جيل رديف للقوات المسلحة أمرًا لا يحتمل التأجيل.
الخدمة العسكرية الإلزامية تعزز مفهوم "الجيش الاحتياطي" أو القوة الرديفة، بحيث يكون لدى الدولة قاعدة واسعة من الشباب المدربين القادرين على الانخراط بسرعة في حالة نشوب أي تهديد. وهذا بحد ذاته يضاعف من قوة الردع الوطني، إذ يدرك أي طرف معادٍ أن الدولة لا تعتمد فقط على قواتها النظامية، بل تملك رصيدًا بشريًا جاهزًا، مدرّبًا، ومنظمًا.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه الخطوة تخلق وعيًا أمنيًا متقدمًا لدى الشباب، وتجعلهم أكثر إدراكًا لطبيعة التهديدات التي قد تواجه الوطن، وبالتالي أكثر استعدادًا للمشاركة في صون أمنه واستقراره.
عودة خدمة العلم لا تعني فقط تدريب الشباب على حمل السلاح، بل هي في جوهرها مشروع وطني لإعادة صياغة علاقة الجيل الجديد بوطنه. كثيرًا ما يُطرح تساؤل حول ضعف قيم الانتماء والمسؤولية لدى بعض الفئات من الشباب، نتيجة العولمة والانشغال بثقافة الاستهلاك والبحث عن الرفاهية السريعة. الخدمة الإلزامية تعيد التوازن لهذه المعادلة، إذ تمنح الشاب فرصة حقيقية ليعيش تجربة مختلفة، قائمة على التضحية والانضباط وخدمة المصلحة العامة.
كما أنها تسهم في كسر الفوارق الاجتماعية، إذ يجتمع الشباب من مختلف الخلفيات الاقتصادية والمناطقية في ميدان واحد، يرتدون الزي نفسه، ويؤدون المهام ذاتها. هذا يخلق روحًا وطنية جامعة، تعزز من لحمة المجتمع وتضعف النزعات الفردية أو الفئوية.
قد يبدو للوهلة الأولى أن خدمة العلم تخرج الشباب من سوق العمل لفترة معينة، لكن الحقيقة أنها على المدى البعيد تسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني. فالشاب الذي يخوض التجربة العسكرية يعود أكثر انضباطًا، وأكثر قدرة على الالتزام بالوقت والواجبات، وأكثر وعيًا بقيمة العمل الجماعي. هذه الصفات تنعكس إيجابًا على سوق العمل، إذ يصبح أكثر إنتاجية وأكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة المهنية.
إعادة خدمة العلم تحمل أيضًا رسالة سياسية بالغة الأهمية، سواء للداخل أو الخارج. في الداخل، هي تأكيد على جدية الدولة في بناء جيل واعٍ ومنظم، قادر على حمل الأمانة. وفي الخارج، هي إشارة واضحة إلى أن الوطن يملك استراتيجية شاملة للأمن والدفاع، تعتمد على تعبئة طاقات الشباب وليس فقط على قدرات القوات المسلحة النظامية.
هذه الخطوة ترسل كذلك رسالة ردع لأي طرف قد يفكر في تهديد استقرار الوطن، إذ تعكس حجم الجاهزية الوطنية وقدرة المجتمع بأسره على التحول إلى "جيش دفاعي شعبي" عند الضرورة.
لا شك أن عودة خدمة العلم تواجه تحديات موضوعية. من أبرزها الحاجة إلى وضع نظام مرن يراعي ظروف بعض الفئات، مثل الطلبة الجامعيين أو الشباب العاملين في قطاعات حيوية، بحيث لا تتحول الخدمة إلى عبء اجتماعي أو اقتصادي. التعامل مع هذه التحديات بعقلانية ومرونة سيكون العامل الحاسم في نجاح التجربة.
إن عودة خدمة العلم بعد انقطاع دام عقودًا ليست مجرد استعادة لقرار إداري قديم، بل هي خطوة استراتيجية تحمل في طياتها أبعادًا أمنية، اجتماعية، اقتصادية، وسياسية. إنها استثمار في الشباب، في مستقبل الوطن، وفي قدرته على مواجهة التحديات القادمة بثقة واقتدار.
لقد آن الأوان لإعادة تأهيل وإعداد جيل رديف للقوات المسلحة، جيل يدرك أن الدفاع عن الوطن ليس خيارًا، بل واجبًا مقدسًا، وأن التضحية من أجل حماية ترابه هي أعلى درجات المواطنة. خدمة العلم تعيد إلى الأذهان تلك الحقيقة البسيطة والراسخة: الوطن لا يحميه إلا أبناؤه.