في هذا السياق، شهدت مدينة السويداء اضطرابات تصاعدت منذ منتصف يوليو/تموز، لتصل ذروتها بين 16 و17 آب/أغسطس. خرج المتظاهرون، في مشهد استثنائي، رافعين أعلام إسرائيل ومطالبين بـتدخل إسرائيلي وحق تقرير المصير. المشاهد، الموثقة عبر وكالات الصحافة الغربية والإسرائيلية، تكشف عن انقسام داخل المجتمع الدرزي في سوريا بين من يسعى إلى التحرر من السلطة المركزية ومن يخشى وصمهم بـ«طابور خامس» إذا دعمت إسرائيل أي تدخل. في خلفية المشهد برزت دعوات من الشيخ حكمت الهجري إلى «حماية دولية»، وهو ما اعتبره بعض المحللين محاولات لتبرير التدخل الخارجي، بينما رفضت شريحة واسعة من الدروز مثل هذه الدعوات خشية أي تداعيات سياسية أو أمنية.
على صعيد الجغرافيا الاستراتيجية، ظهر مصطلح "ممر داوود" في بعض التحليلات الإعلامية، واصفًا مشروعًا افتراضيًا لفتح قوس بري–أمني من الجولان المحتل باتجاه الجنوب السوري وربما مناطق أوسع، يمنح إسرائيل هامش تحرك داخل سوريا. إلا أنه لا توجد أي بيانات رسمية تؤكد هذا المشروع، ويظل محل جدلية وفرضية تحليلية.
في مواجهة هذه التطورات، كان موقف الأردن واضحًا وحاسمًا. فقد رفض رسميًا طلب إسرائيل بتمرير مساعدات عبر أراضيه إلى السويداء، مؤكّدًا أن أي جهود إنسانية يجب أن تتم وفق الأطر القانونية الدولية وبالتنسيق مع دمشق. هذا الموقف ليس جديدًا؛ فهو امتداد لسجل الأردن التاريخي في حماية حدوده وسيادته، الذي بدأ مع معركة الكرامة 1968 التي رسخت عقيدة الردع الحدودي، مرورًا بمعاهدة وادي عربة 1994، وصولًا إلى السياسات الراهنة التي تمنع البلاد من الانجرار إلى حروب بالوكالة أو السماح بأي ترتيبات قد تعيد هندسة الجغرافيا السياسية على حسابه.
المخاطر المرتبطة برؤية "ما بعد السويداء" واضحة: تدويل الجنوب السوري تحت شعار حماية الأقليات قد يخلق فراغات أمنية على تخوم السويداء–الرمثا–الجولان، ويتيح ممرات للتهريب والاحتكاكات العابرة للحدود؛ كما أن تغليف التوسّع بخطاب ديني–تاريخي يحوّل النزاع من مسألة حدود إلى نزاع هوية ووجود، ويبرّر تحركات أحادية في الجولان والبادية، وهو ما يرفضه الأردن والكتلة العربية على المستوى القانوني والسياسي؛ علاوة على أن أي تعويم لممرات برية–أمنية يضعف المجال الحيوي الأردني ويهدد شبكات التجارة والطاقة والملاحة.
لكن لفهم موقف الأردن الحالي، لا بد من العودة إلى الهوية الأردنية وتاريخها الوطني. في عام 1921، وُلدت إمارة شرق الأردن ككيان سياسي فريد، حملت هذه الأرض تحديات جسيمة، أبرزها صراع الحفاظ على الهوية الوطنية في مواجهة المشروع الصهيوني. قامت هذه الهوية على ركيزتين أساسيتين: الولاء للوطن والارتباط بالقيادة الهاشمية المستمدة شرعيتها من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما شكّل الأساس للعقيدة القتالية الأردنية كسيف مسلول لردع العدوان.
المؤرخ سليمان موسى في كتابه "تاريخ الأردن في القرن العشرين" يوضح كيف تعامل الأمير عبد الله بن الحسين مع أول اختبار للهوية عند توافد اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة 1948، متمسكًا بسياسة الاندماج المحمي التي تحفظ الخصوصيات تحت مظلة الوطن. وفي دستور 1952 تجلت معالم الشخصية الأردنية: عربية الهوية، إسلامية المضمون، والهاشميون قيادتها، والعشائر نسيجها الاجتماعي، وهو ما يؤكده فيليب روبنز في كتابه "تاريخ الأردن الحديث" عن تحوّل التحالفات القبلية إلى درع واقٍ للأمن الوطني.
لقد حملت المواجهات العسكرية الأولى روح هذه العقيدة. ففي معركة اللطرون 1948 صد الجيش العربي هجمات الهاجاناه المدججة بالسلاح لحماية القدس، كما تؤكد وثائق الأمم المتحدة (A/648). وفي السموع 1966، ظهرت الردة الأردنية كصاعقة على الجيش الإسرائيلي رغم الفارق التسليحي، ما عزز الاعتقاد بقدرة الجيش على الردع الذكي.
لكن الحقيقة الفارقة كانت الكرامة 21 آذار 1968، حينما تحولت قرية الكرامة إلى مقبرة للآليات الإسرائيلية. اللواء معن أبو نوار في كتابه "الأردن والصراع العربي الإسرائيلي" يصف حجم الخسائر الإسرائيلية بأنها كانت "مثل جبل يشق السماء"، بينما تقارير المخابرات الأمريكية (CIA 1968) تؤكد أن إسرائيل لم تجرؤ على عبور نهر الأردن مرة أخرى.
وفي حرب تشرين 1973، رغم سحب القوات الأردنية من الجبهة، ظلت كتيبة الدبابات الأردنية في غور الأردن كالأسد الرابض، وهو ما يؤكده الفريق مشهور حديثة في مذكراته: "دمرت طائرتنا الهوكر هنتر 62 دبابة إسرائيلية في ساعات"، مؤكدًا العقيدة القتالية الأردنية المبنية على الدفاع المقدس، القتال الذكي، والردع الاستباقي عبر المعلومات والاستخبارات.
أما السلاح الدبلوماسي، فقد أظهر الأردن براعة مماثلة؛ ففي عام 1994، شكّلت معاهدة وادي عربة مرحلة استراتيجية، حيث ضمن الأردن اعتراف إسرائيل بحق الأردن في الوصاية على المقدسات وحماية حقوق الفلسطينيين، مما حول الوصاية الهاشمية على القدس إلى سلاح ردع ديني وسياسي. وفي خطاب الأمم المتحدة 2017، أكد الملك عبد الله الثاني: "القدس خط أحمر، ومن يحاول العبث بها سيلقى ردة فعلنا".
عبر مائة عام، كتب الأردن ملحمة البقاء من دولة بلا موارد إلى قلعة ردع استراتيجي. أدواته كانت: العقيدة القتالية التي حوّلت الجيش إلى سد منيع، الدبلوماسية الواقعية التي تصنع السلام من موقف القوة، الذكاء الاستراتيجي الذي أفشل عشرات المؤامرات، والشرعية التاريخية المتجذرة في عمق الأمة. كما يقول المؤرخ سليمان موسى: "لم يكن درع الأردن سوى إيمان شعبه بهويته، ودم جنوده الذين سقوا تراب الكرامة". هذه قصة شعب حوّل التحدي إلى مصدر قوة، والهوية الوطنية إلى سلاح لا يُقهر.
في ضوء هذه الخلفية التاريخية، يصبح واضحًا أن تصريحات نتنياهو الأخيرة، والمظاهرات في السويداء، والتحديات الجيوسياسية الماثلة، جميعها تصطدم بعقيدة الردع الأردنية الراسخة. موقف الأردن الراهن ليس مجرد رفض عبور المساعدات الإسرائيلية، بل رسالة استراتيجية واضحة تحمي سيادة البلاد، وتؤكد أن أي تدخل أو تحرك في خاصرة الشام الجنوبية لن يتم إلا وفق الأطر الدولية والقانونية، مع الحفاظ على الاستقرار والأمن الإقليمي.