في لقاء ضم عددًا من المثقفين الأردنيين والعرب، قدم سمو الأمير الحسن بن طلال توصيفًا غير مألوف: "وسطي متطرف"، أو كما أضاف بالإنجليزية: راديكال.
هذا التوصيف، وإن بدا متناقضًا في ظاهره – كما لو أننا نصف العاصفة بالهدوء أو الظهيرة بالإعتام – فإنه يعكس محاولة لتجاوز الفهم السائد للوسطية، ذلك الفهم الذي يجعلها أقرب إلى الحياد السلبي منها إلى الموقف الفاعل.
فالوسطية التي اعتدناها، في أغلب تجلياتها، وسطية فاترة، تتجنب اتخاذ مواقف حاسمة، وتُحجم عن الدخول في صراعات تُنتج معنى أو تُحدث تغييرًا. هي بذلك ليست سوى انكفاء، يترك المجال مفتوحًا للقوى المتطرفة من اليمين واليسار لتحتكر المشهد، على الرغم من أنها لا تمثل الكتلة الوازنة في أي مجتمع.
في هذه المرحلة المضطربة من التاريخ، حيث تختلط المفاهيم وتتفكك المرجعيات، تصبح الحاجة ملحة إلى تلك "الوسطية المتطرفة" التي تستعيد قدرتها على الفعل، وترفض أن تكون مجرد مساحة رمادية وباهتة.
وسطية لا تكتفي بالتنظير الأخلاقي، بل تسعى لأن تكون كتلة اجتماعية وسياسية، فاعلة، تعي أنه لا حياد في لحظة تتشكل فيها الهويات من خلال الاصطفافات، وأن السلبية ليست إلا تمهيدًا لصعود الانغلاق أو الانفلات.
يعلمنا التاريخ أن المجتمعات التي يغيب فيها الفعل الوسطي، تتحول إلى مختبرات مفتوحة للتطرف، وتفقد قدرتها على بناء عقد اجتماعي متماسك. وبهذا المعنى، فإن الوسطية الساكنة تُسهِم – دون وعي – في توهين المجتمعات من داخلها.
يستحضر الأمير الحسن لقاءً جمعه بأحد اليساريين المصريين في قصر بسمان، فبادره الضيف بأنه شيوعي، ليرد الأمير بأنه ملكي، ثم دعاه إلى تجاوز هذه التسميات والبحث عمّا يُحدث فرقًا في حياة الناس، وهو ما يستدعي أن نفهم الناس واحتياجاتهم، لا أن ندعوهم لاتخاذ المواقف والوصفات الجاهزة التي تفترض أن يتواطأ التاريخ بأكمله لخدمتهم، وهو ما لا يحدث وليس ممكنًا حدوثه.
هذا الموقف يلخص روحية "الوسطية المتطرفة": ليست نفيًا للمواقف، بل تجاوزًا للشعارات نحو الفعل، نحو المعنى، نحو ما يُحدث أثرًا.
أحد أوجه قصور الوسطية التقليدية، في السياق الأردني تحديدًا، أنها لم تواجه الخطابات المتطرفة: سواء تلك التي تتبنى قومية انغلاقية تؤدي إلى العزلة، أو تلك التي تنفتح بلا ضوابط على مشاريع تذيب الخصوصيات الوطنية، وسطية تتغيب في الاختبارات الانتخابية وتعود لتشكو من النتائج التي لا تراها معبرة عن وجودها ومصالحها.
الوسطية الحقيقية، كما يراها الأمير من سياق أحاديثه وكتاباته، لا تسمح بأن تُستغل أو يُنطق باسمها دون أن يكون لها موقف صريح، وتملك الجرأة على التعبير، وترفض أن تكون حيادية بين انحرافين، أو صامتة في لحظة حاسمة.
في حديث آخر، يفرق الأمير بين الوسطية وبين البقاء في الوسط الذي لا يكون التمركز فيه فضيلة، بل قد يكون تواطؤا يبنى على الاعتياد والكسل الفكري وتراجع الوعي والفكر. فالوسط مكان تُهيمن عليه الأطراف إن غاب عنه الفاعلون، بينما "الوسطية المتطرفة" موقفٌ يُنتج من الفعل، لا من التردد.
الكُتلة الكبرى من الناس – التي يُفترض أن تشكّل جوهر الفعل السياسي – تتعامل مع واقعها كما لو أنه قدر لا مناص منه، وليس نتيجة لتفاعلات يمكن فهمها وتغييرها، وهذا الإدراك الخاطئ يؤدي إلى العزوف، والسلبية، وترك المجال أمام الحركات الحدية لتحديد شكل المستقبل، ولو على حساب الاستقرار والمصلحة العامة.
من هنا، يُفضل الأمير الحسن تبني "الفاعلية الوسطية" بدلًا من مجرد "الوجود في الوسط"، لأن الحالة الأولى تستبطن موقفًا، بينما تفترض الحالة الثانية مساواة زائفة بين أطراف غير متكافئة في النوايا والأدوات.
الوسطية المتطرفة ليست تناقضًا لغويًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية في زمن يتقاسم فيه المتطرفون المشهد، بينما تختفي الكتلة المعتدلة في الظلال.
هي دعوة لأن يكون الإنسان فاعلًا لا مجرد رقم في معادلة، ولأن تُنتج الأردن والمنطقة العربية بشكل عام، وسطيتها الخاصة، وعلى المستوى القومي الأوسع، فهذه الوسطية بوصفها موقفًا عقلانيًا مستقلًا يمكن أن تؤسس لتواجد حقيقي يعكس مصالح الكتلة الأوسع من المواطنين بما يؤهل المنطقة لأن تكون طرفًا في الفعل الحضاري، لا مجرد موقع جغرافي تتنازعه القوى الكبرى.
الوسطية لا تكون فضيلة إلا حين تكون موقفًا واعيًا، نابعًا من إرادة لا من خوف، ومن إدراك لا من انسحاب. وما لم تتحول هذه الوسطية إلى مشروع سياسي واجتماعي له من الفعالية والوعي ما يضعها في المعادلة بصورة حقيقية، ستبقى المنطقة رهينةً لصراعات لا تُنتج إلا التعطيل والتعثر، مهما اختلفت عناوينها.