يقتف الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة ، صخرة تتكسر عليها موجات العنف والانقسام . لم يكن يوماً لاعباً صغيراً في لعبة الأمم، لكنه آثر أن يكون صاحب موقف، لا صاحب ضجيج؛ صاحب مسؤولية، لا صاحب مصلحة ضيقة. تحمل الأردن ـــ بقيادته وشعبه وجيشه وامكانياته ـــ أعباء الأزمات الإقليمية وكأنه جزء أصيل من كل جرح عربي، ولم يئن أو يساوم أو يتاجر.
من فلسطين التي وُلدت معها القضية، إلى العراق الذي تدفق لاجئوه عبر حدوده الشرقية، وسوريا التي نزح منها الملايين، كان الأردن ملاذاً آمناً، وظهراً حانياً. استقبل اللاجئين رغم شح الموارد، وفتح المدارس والمستشفيات والمعابر. لم يقايض يوماً الدم بالمال، ولم يضع مآسي العرب في بازار السياسة الدولية. فبينما تاجر البعض بمشاهد الدم، بنى الأردن سياسة أخلاقية ثابتة لا تتبدل بتبدل الحلفاء.
وفي الملف السوري، اختار الأردن أن يمارس صمته الاستراتيجي؛ لا اندفاع انفعاليا، ولا انسحاب متخاذلا. تابع التطورات بدقة، وأدار حدوده الشمالية بحذر، واضعًا نصب عينيه دعم الدولة السورية وثباتها على أرضها، والتعامل مع الدولة ومكوناتها من منطلق المصلحة السورية العليا، لا من زاوية الاصطفافات المؤقتة. حرص الأردن على تقريب وجهات النظر بين الأطراف، وتضييق مساحات الخلاف لا توسيعها، إيمانًا منه أن الحل في سوريا لن يولد من فوضى السلاح أو صفقات الغرف المغلقة. ورغم محاولات إقحامه في صراعات جانبية، ظل الأردن يدفع باتجاه حل عربي متوازن، يضمن وحدة سوريا واستقرارها، ويحفظ حق شعبها في حياة آمنة وكريمة، بعيدًا عن الأجندات الخارجية.
وبالموازاة مع ذلك، لم يغفل الأردن دعم وحدة لبنان والدولة اللبنانية، ورفض أي محاولات لجره إلى صراعات داخلية أو تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وقف الأردن مع سيادة لبنان واستقلال قراره، مؤكدًا أن استقرار هذا البلد العربي الصغير هو جزء لا يتجزأ من أمن المشرق العربي، وأن وحدة مؤسساته هي صمام أمان يمنع انزلاقه إلى الفوضى.
ومع ذلك، لم يكن الأردن في موقع المتفرج. بل واجه ــ بصمتٍ الواثق ــ تحديات أمنية عابرة للحدود، وتصدى لمحاولات اختراق مليشياوية أرادت العبث بأمنه واستقراره. كانت الحدود الشمالية والشرقية مسرحاً لاشتباكات صامتة، لم تُعلن تفاصيلها حرصاً على الاستقرار، ولكنها كشفت عن يقظة واحتراف عسكري وأمني عالٍ. الأردن لم يكن يوماً معبراً للفوضى، بل سداً منيعاً في وجهها.
ولم تكتفِ إسرائيل بتهديد أمن الفلسطينيين وسرقة أراضيهم، بل حاولت تصدير أزماتها نحو الشرق، لتضغط على الأردن وتخلط أوراق المنطقة. لكن الموقف الأردني بقي متماسكاً؛ ثابتاً على الثوابت، رافضاً كل مشاريع التصفية، ومحافظاً على الوصاية الهاشمية على المقدسات، كخط أحمر لا يُقبل النقاش فيه.
إن ما يميز الأردن ليس فقط ثباته السياسي، بل أخلاقيته في التعاطي مع قضايا العرب. فلم يكن يوماً طرفاً في خراب، ولا شريكاً في مشروع تجزئة. بل ظلَّ صوت العقل، وبوصلة الاتزان في زمن الجنون العربي.
قد لا يملك الأردن ثروات نفطية أو أدوات نفوذ صلبة، لكنه يملك ما هو أثمن: الشرعية الأخلاقية، والمصداقية السياسية، واحترام العالم له كدولة ذات مواقف، لا مصالح مؤقتة. وهذه هي القوة التي لا تهتز أمام العواصف.
واليوم، يجد الأردن نفسه مجددًا في عين العاصفة، وهو يواجه تداعيات تصرفات غير مسؤولة أدت إلى تمزيق النسيج الوطني في غزة، وتضع المشروع الوطني الفلسطيني على شفير الاندثار. ففكرة الدولة الفلسطينية التي هندسها الأردن سياسيًا ودبلوماسيًا لعقود، باتت مهددة بالإزالة من الوعي الدولي، بينما يسود صمت عربي ودولي مريب.
لقد أثبت الأردن أنه أكبر من كل المشككين، وأصدق من كل المتاجرين، وأشد وفاءً من كل المتآمرين. ورغم وحدته في الموقف، إلا أن وقوفه لم يكن ضعفًا، بل شجاعة تُبقي جذوة العروبة مشتعلة، في زمنٍ أوشك أن يطفئ آخر قناديله.
ومثلما دافع عن فلسطين واحتضن أشقاءه في العراق، بقي الأردن على العهد في سوريا، داعماً لوحدتها وثبات دولتها على أرضها، ومساهماً في تضييق مساحات الخلاف وتقريب الرؤى، وفي لبنان مؤيدًا لوحدة دولته ومؤسساته واستقلال قراره، لتبقى المنطقة أقرب إلى السلام والاستقرار، وأبعد عن دوامات الفوضى والانقسام.