يأتي التصعيد الإسرائيلي باحتلال غزة متزامنا مع انتهاء الجزء الأول من أعمال مؤتمر حل الدولتين، والإعداد لاجتماع القادة بخصوصه في أيلول المقبل بالجمعية العامة. وقد نجح البيان الختامي للمؤتمر بالتأكيد على الرأي الاستشاري للعدل الدولية في 19 تموز 2024 لصالح فلسطين، والاعتراف بفلسطين ضمن حدود ال67، وضرورة وقف الاستيطان، واحترام القانون الدولي والإنساني، وحق العودة وحقوق المدنيين، وإعادة حوكمة القيادة الفلسطينية واجراء الانتخابات الديمقراطية، والتأكيد على مركزية السلطة ضمن دولة مدنية منزوعة السلاح. وقد تم اعتماد البيان الختامي من قبل جميع الرؤساء الـ27 المشاركين مع استعداد غالبية دول العالم لتبنيه باجتماع الجمعية العامة أيلول القادم- مما يشكل دعما تاريخيا غير مسبوق.
وقد استند البيان بشكل أساسي على تعهدات السلطة الفلسطينية بالعمل على ما سبق مع الحفاظ على الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية والاستفادة من الدعم اللوجستي والبعثة الدولية لحفظ السلام بتكليف مباشر من مجلس الأمن.
أما على الصعيد المقابل، فبالإضافة الى المنغصات الشكلية التقنية المتمثلة بالصيغة الفضفاضة والحزم بالإرادة دون قدرة على الحسم بالتنفيذ؛ تأتي مقاطعة المؤتمر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة الضوء الأخضر لإسرائيل بالمتابعة! كما صرح السفير الأمريكي لإسرائيل "بان تفاصيل حل الدولتين غير متاحة وغير قابلة للتوافق حاليا"؛ بينما اضاف وزير الخارجية الأمريكي "بان حل الدولتين ومحادثات حماس انهارت بسبب التصريحات الأحادية الأوروبية بنية الاعتراف بفلسطين" مع اتهام إسرائيل لكل من ماكرون وستارمر بمعادات السامية! إذن هل نجح المؤتمر في تحقيق ما عجزت عنه ثماني عقود مضت؟ أم أنه إضافة نوعية لكافة ما سبق من خيبات الأمل؟
أؤكد بالنيابة عن نفسي أن من يضيئ شمعة خير ممن يلعن الظلام. وأؤكد أيضا على ضرورة تطبيق الواقعية البحتة في ظل موازين القوى التي نعيش ضمنها. وأنادي بتسليط الضوء على الظروف السياسية والمتغيرات المتناقضة التي تجتاح اليوم كافة ما قامت عليه الحضارة الغربية من مزاعم حقوق الإنسان منذ الحرب العالمية الثانية. وبين هذا وذاك، أحاول التشبث بما هو يسير من بصيص الأمل! كنت قد ختمت مقالتي الأخيرة بأن "فلسطين لم تعد قضية قاصرة على عرق أو دين،،، وأن لغيرنا فيها من أحرار العالم والمؤثرين الثائرين ما يتعدى القيود الكلاسيكية؛ وأن لكل فرد من هذا العالم دورا لا بد يدركه؛ فهلموا بنا للبناء إلا أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. وليلحق بالركب من يلحق،،،".
ولا أعني مما سبق أي مدعاة للتخاذل، بل أؤكد على ضرورة استخلاص العبر والبناء على أي مقومات متاحة للنجاح وإن صغرت مع ضبط التوقعات، فنجاح الفعل لا يقاس إلا بغاياته. ومن وجهة نظري فقد حقق هذا المؤتمر نقطة تحول تعبر بصراحة عن ضمير شعوب العالم الحر ناهيك عن القيادات. وهي نقطة بداية تجاه الصحوة العالمية مدعومة ب"تسونامي" المجاهرة المتنامي ضمن أروقة الشارع الغربي ضد جرائم إسرائيل؛ وامتحان حقيقي لنوايا وحقيقة الغرب تجاه حقوق الانسان.
لن أنكر دلالة ظهور الخلاف بين الموقف الأمريكي وحليفه الأوروبي بقيادة بريطانيا وفرنسا في تطور تاريخي للاعتراف بدولة فلسطين. بل وقيادتهما جلسة لمجلس الامن يوم الاحد 10/8 مع الدنمارك واليونان وسلوفانيا وتأييد الصين وروسيا وتصريح وزراء خارجية أستراليا وإيطاليا وألمانيا ونيوزيلندا لتنديد باحتلال غزة والتأكيد على مخالفته لكافة قوانين الشرعية الدولية. ناهيك عن تضعضع البيت الداخلي بين الشباب الأمريكي الداعم للوجود الإسرائيلي في ضوء كشف الحقائق وارتفاع نسبة الرافضين للإبادة الجماعية بينهم الى 47%.
لذا، علينا أن نرفض التقليل من شأن الشارع العالمي وقدرته على إحداث الفارق عند "اكتمال نموه" بإذن الله عما قريب. فلو لم تكن إسرائيل آبهة به، ولو بالنذر اليسير، لما حرصت على استبدال مصطلح "احتلال" بمصطلح "السيطرة" في محاولة زائفة للتلاعب بالقانون الدولي ومشاعر الشارع الغربي- من حيث أن مصطلح "الاحتلال" يرتب مسؤولية سلامة المدنيين على عاتق سلطة الاحتلال، في حين تُلقى تلك المسؤولية على كاهل حماس في حال مجرد "السيطرة"- التي تنفيها كافة وقائع الميدان. الرأي العام العالمي هو بركان متصاعد، والقول بعجزة منقوص، كالحكم على حديث الولادة. وإن من طشأن هذا البركان عند ثورانه أن يسارع المستقبل لا محالة، فإما يساهم باجتثاث الظلم أو بخلع الأقنعة دون رجعة؛ ومن كلا النقيضين مصلحة تقتصها فلسطين!