بينما تتنامى حلقات التعاون المكثف بين معظم دول العالم عبر القارات والتي يتم بذلها على جبهات متعددة لمكافحة المخدرات، يتسلل تهديد آخر الى حياة الملايين من العائلات العادية حول العالم ممن لا يمتون للمخدرات او لعالم الجريمة بصلة، هذا الخطر الذي يتم تقبله وتعاطيه بصور منتظمة ومشروعة وبإشراف طبي ببعض الاحيان هو المهدئات بأنواعها من مسكنات الألم وادوية معالجة الأرق والتوتر وما شابهها. هذه الأدوية التي صُنعت في الأصل لتخفيف اعراض معينة عند الحاجة تحولت عند الملايين من الناس الى جزء من الروتين اليومي الذي لا يُمكن الاستغناء عنه، وهو ما يشبه في جوهره مفهوم الإدمان.
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 60 مليون شخص حول العالم يعانون من إدمان المواد "الأفيونية"، وهي أدوية ذات تأثير مهدئ تُستخدم عادة لتسكين الألم، بالإضافة لعشرات الملايين غيرهم ممن يسرفون في استخدام أنواع أخرى من المهدئات ولم يبلغوا حد الادمان بعد، وان كان معظمهم يسير بهذا الاتجاه، والأردن كغيره من الدول، ليس بمنأى عن هذا النمط المتصاعد، فقد اصبح من السهل لأي باحث ملاحظة ظاهرة الإفراط في الاعتماد على المهدئات بين الأردنيين بغض النظر عن العمر او الجنس او الكلفة.
يمكن فهم هذا النمط السلوكي من خلال نهج الاعتماد على الذات بمعالجة الامراض من قبل شريحة واسعة من الناس، "فرضية التداوي الذاتي"(Self-Medication Hypothesis)، وهي نظرية قدّمها الطبيب النفسي إدوارد خانزيان في ثمانينيات القرن الماضي وتفترض أن بعض الأفراد قد يلجؤون إلى الأدوية والمواد المهدئة بدافع التعامل مع مشاكل مثل الألم النفسي أو القلق حين تغيب عنهم أدوات التكيّف الصحية حيث تصبح الأدوية الوسيلة الاسهل لتمكينهم من ممارسة حياتهم بشكل اقرب الى الطبيعي، وهذا ما يُعرف في علم السلوك بـ"التعزيز السلبي" أي عندما يتم تحفيز سلوك معين بسبب اثره على التقليل من شعور سلبي، كالألم مثلًا، فيترسخ السلوك ويُعاد تلقائيًا. ومع الوقت، يصبح تناول الدواء ردّ فعلٍ تلقائي لأي توتر أو انزعاج مع بعض الشعور بالمتعة ويترسخ الاعتقاد لدى الشخص أنه لا يملك خيارًا آخر للتعامل مع ما يمرّ به، ويستمر هذا النمط دون أن تُعالَج جذوره.
بالنظر لهذا الموضوع ضمن سياق الحالة الأردنية، يزداد تعقيد هذا النمط السلوكي بفعل السياق الثقافي الذي يربط التعبير عن الألم بالضعف وينظر الى الاعتراف بالتعب النفسي أو العاطفي في كثير من الأحيان كعيب أو عبء، يجب كتمانه وخاصة عندما يتعلق الموضوع بالآباء والامهات فيصبح اللجوء إلى الدواء ليس هروبًا من المسؤولية، بل وسيلة لتحملها، وفي ثقافة تربط مقياس القوة بمدى القدرة على الكتمان، تتحول الحبوب المهدئة إلى أداة للمواصلة بغض النظر عن دوافع ومسببات الألم.
رغم أن الأضرار الصحية والمالية الناتجة عن الاستخدام المفرط لهذه الأدوية معروفة إلى حد كبير إلا أن التداعيات والعواقب الاجتماعية تبقى أكثر عمقًا وأقل وضوحًا. فكلما زاد اعتماد الافراد على المهدئات لتمكينهم من المضي في حياتهم اليومية، زاد احساسهم بالوحدة والانعزالية وترسخ اعتقادهم بأن المهدئات هي الملاذ الآمن الوحيد وسرعان ما تضعف لغة الحوار بين الافراد وتتغير طبيعة العلاقات الاجتماعية في مجتمع مبني بالأصل على مفاهيم الترابط الاجتماعي، وهكذا تتجاوز المشكلة نطاق الطب والعلاج لتصبح أزمة إنسانية اجتماعية تمس جوهر الروابط بين افراد المجتمع.
لا تكفي الحلول التشريعية أو الاجرائية وحدها لمواجهة هذا التحدي، فالتعامل مع الاعتماد المتزايد على المهدئات والمسكنات يتطلب تغييرًا في النظرة السائدة إلى الألم وفي طريقة الاستجابة له، على مستوى الفرد والنظام الصحي معًا. الأردن بحاجة إلى رؤية وطنية شاملة تعترف بأن الألم، في كثير من الحالات، ليس مجرد عارض مؤقت، بل حالة تتطلب علاجات متعددة الأبعاد ودعماً مستمرًا. تبدأ هذه الرؤية بحملات توعية تُعيد تعريف الألم كحالة إنسانية شائعة لا تستدعي الخجل أو الإنكار وتشجع الناس على طلب المساعدة دون خوف من الوصمة أو الصورة الاجتماعية أمام الآخرين. كما يجب تزويد مقدمي الرعاية الصحية بالمعرفة والمهارات والحوافز التي تتجاوز الممارسات التقليدية وتواكب الدراسات والأبحاث العالمية المتعلقة بعلاج وإدارة الألم بمختلف انواعه ومسبباته.
يبدأ التغيير الحقيقي من نظرتنا الفردية للألم وكيفية التعامل معه، سواء ذلك الذي نراه فيمن حولنا أو نحمله في أنفسنا، ومحاولة فهم الدوافع السلوكية التي تجعل الكثير من أهلنا وأحبتنا يقعون فريسة سهلة للمهدئات، فالألم من أكثر التجارب الإنسانية شمولية حيث يتوحد الناس من مختلف الاطياف على فهمهم لشعور الألم، ومن المهم البناء على هذا الفهم المشترك لتحويله الى تفهم وتعاطف مما يشكل الخطوة الأولى في تجريد المشكلة من مسبباتها.