ما يميز الانسان عن بقية المخلوقات صفتا النطق والقدرة على التعبير، فالكلمة هي الظاهرة البشرية الأولى التي وجدت مع الانسان، والتي ساهمت في تشكيل الاجتماع الانساني منذ مرحلته الأولى، وبها انتقلت المعرفة المكتسبة من شخص الى اخر، عبر أماكن مختلفة وأزمان متلاحقة، فالكلمة في طورها الشفهي قد مثلت الاداة الأولى لنقل المعارف والخبرات الانسانية عند كل الامم.
أثر الكلمة في حياة الناس عظيم جدًا، ربما لا ندركه جميعًا، لكنه موجود بالفعل، ويصنع في الأشخاص العديد من التغييرات المدهشة تمامًا، سواءً كانت هذه التغيرات إيجابية أو سلبية. وعلى الرغم من ذلك، فالبعض يجهل أثر الكلمة في النفوس، ولا يعرف كيف يمكنها أن تغير من حياة الناس، يرى أن الكلام سيظل كلامًا مهما حدث، على الرغم من أن الكلمة تؤثر في حياة الناس بكل جوانب الحياة، فالكلمة مفتاح للبهجة والسعادة والأمل والتفاؤل والطاقة الإيجابية لمن أدرك قيمتها وتنبأ لأثرها وأجاد استخدامها وعرف معناها ووقعها على أذان السامعين.
طالب «الوليد» حاكم المدينة المنورة «سيدنا الحسين» بأن يبايع يزيد بن عبدالملك بن مروان: «نحن لا نطلب إلا كلمة.. فلتقل بايعت... واذهب بسلام لجموع الفقراء. فلتقلها واذهب يا ابن رسول الله حقنًا للدماء.. فلتقلها ما أيسرها، إن هى إلا كلمة...» فرد عليه الحسين: «كبرت كلمة... وهل البيعة إلا كلمة... ما دين المرء سوى كلمة.. ما شرف الرجل سوى كلمة... ما الشرف سوى كلمة... أتعرف ما معنى الكلمة؟.. مفتاح الجنة فى كلمة... دخول النار على كلمة.. وقضاء الله هو كلمة... الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور.. وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري.. الكلمة فرقان بين نبي وبغي.. بالكلمة تنكشف الغمة.. الكلمة نور.. ودليل تتبعه الأمة.. عيسى ما كان سوى كلمة. أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم.. الكلمة زلزلت الظالم.. الكلمة حصن الحرية.. إن الكلمة مسؤولية.. إن الرجل هو كلمة.
كان سقراط يجلس بين تلاميذه وكانوا يتبادلون الكلام في ما بينهم يأخذون ويردون على سقراط وهو يصحح ويقيم ويعلم، يخوضون في موضوعات شتى مختلفة ومتنوعة بعدد تشعب الآراء واختلاف طرق الدنيا من حولهم، لكن في حين هذه الدائرة التي يتعالى منها الكلام كأنه رحى حرب وتتطاير الأفكار بين الأستاذ والتلاميذ.. جاء أحدهم وهو يتبختر في مشيه، يزهو بنفسه، وسيماً بشكله، فنظر إليه سقراط مطولاً، ثم قال جملته الشهيرة: «تكلم حتى أراك»، فالكلمة ليست مجرد مجموعة حروف نكوِّنُ منها جملاً نقرأها او نسمعها، بل إنها أعظم من ذلك، فهي تبث مشاعر وصوراً في العقل، إن الكلمة معنى ندركه ونستوعبه، ومسؤولية نحاسب عليها، وأثر نتركه، فالإنسان كلمة، فإما نترك أثرا طيبًا أو سيئًا، فلذلك قال سقراط: «تكلم حتى اراك».. فعندما يتحدث الإنسان يظهر ما بداخل شخصيته وتفكيره وانتمائه وأخلاقه، فالكلمة هي مرآة صاحبها، ومدى قوته وتعريف بشخصيته، وقد سئل الجاحظ عن صفات الإنسان العاقل؟، فقال:هو الذي يعلم متى يتكلم، وكيف يتكلم، ومع من يتكلم.
إنني أرى أن مستقبلنا وحياتنا ليسا من صنع أفكارنا فقط بل هما أيضًا من صنع كلماتنا، فالكلمة هي أكبر وأعمق وأكثر فاعلية مما نظن، فهي قوة في مشاعر الإنسان وتوجٌّهِ قدراتِه وإمكاناتِه.