يواصل الزميل والصديق ابراهيم السطري اغراق الصحفيين والكتاب وأنا أحدهم ، بكم هائل من مقالات ومواد صحفية قديمة، نشرت لهم قبل عقود من الزمن، قبل أن يدخل العالم عصر " الرقمنة"، وكأن ابراهيم كان يقرأ المستقبل ويتنبأ بثورة الاتصالات الهائلة، التي غزت العالم وأحدثت تحولات لم تخطر على بال حتى المنجمين!.
كمن يتسلق جبلا شاهقا من الورق يواصل ابراهيم التنقيب، في أرشيف ورقي لاهدائه لزملائه وأصدقائه، ويعيدهم الى ذكريات حقبة تجاوزها الزمن لن تتكرر، وأنا أتصفح المقالات والمواد الصحفية التي كتبتها في صحيفة "صوت الشعب"، خلال فترة عملي فيها في عقد ثمانينات القرن الماضي ،وفي صحف ومجلات أخرى، وكأن ابراهيم يعيدنا الى بيت الشعر الشهير للشاعر الفلسطيني محمود درويش، "أحنُّ إلى خبز أمي وقهوة أُمي ولمسة أُمي .."، التي لحنها وغناها الفنان اللبناني مارسيل خليفة.
سبق وأن كتبت على صفحتي عالفيسبوك منشورا، يتضمن الشكر للصديق السطري الذي أغرقني بعشرات المقالات والمتابعات والتحقيقات الصحفية، التي كتبتها في تلك الحقبة الجميلة، وكنت أتابع أيضا ما يبعثه الى زملاء وأصدقاء آخرين، مما يعثر عنه في أرشيفه الورقي النادر!
واحدى هذه المواد اللافتة التي زودني بها السطري، قراءة في ظاهرة تغيير وتعديل الحكومات الأردنية، لا أدري متى نشرت بالضبط ، اما في آواخر ثمانينات القرن العشرين أو بداية التسعينات، حيث كان عدد رؤساء الوزارات حسب ما رصدته في تلك القراءة، "28" رئيس وزراء شكلوا 78 وزارة، ضمت "356" وزيرا وأجري عليها "79 " تعديلا منذ عهد الامارة، وبطبيعة الحال تناسل عدد الحكومات والوزراء والتعديلات الوزارية حتى هذا العام 2025 لدرجة أصبح يصعب ملاحقتها!
وبدون مجاملة يمكن القول ان ابراهيم "مؤسسة في رجل أو رجل في مؤسسة"، وهو يستحق جائزة على هذه الجهود الدؤوبة، التي يبذلها للحفاظ على الأرشيف الورقي كمن يواصل الصمود في معركة تحت القصف، ومن جانبي لم أعد احتفظ الا على عدد قليل جدا، من أقصوصات متناثرة لمقالات كتبتها ونشرتها في زمن الصحافة الورقية، الذي يبدو أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة لجهة مواكبة عصر الرقمنة!
ولا أدري ما هو مصير الأرشيف الورقي للصحف التي صدرت خلال عقود خلت، ربما بعضها لجأ الى حفظ ذلك الأرشيف من خلال شبكة الانترنت العنكبوتية، لكن المؤكد أن جزءا كبيرا منه ضاع وتم اهماله، وهنا يخطر على بالي سؤال كبير: لماذا لا تستفيد مؤسساتنا المهتمة من هذا الكنز ، وخبرة الزميل السطري مثل وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية وامانة عمان ..الخ ، وقد زرتها لأسباب تتعلق بتسويق كتبي العديد منها، ولم ألحظ غير الاستهتار وعدم تقدير القيمة الكبيرة لهذا الأرشيف!.
ان الزميل السطري يستحق التكريم لهذا الجهد النادر، الذي يقوم به من وأصبح يعتبر جزءا من الذاكرة الوطنية، وأقل تكريم يليق به أن يتم الاستفادة من خبرته المتراكمة في حفظ أرشيف الصحف الورقية، وما يحتفظ به من خلال تخصيص غرفة في منزله المتواضع على حساب راحة عائلته، ولعله صاحب تفكير استباقي عندما فكر بهذا الأمر ، وتفوق على مؤسسات كبيرة معنية ، كان حريا بها أن تبادر الى هذا الجهد .
ابراهيم أصبح حديث النخب الصحفية والثقافية على وسائل التواصل الاجتماعي، فمن يعلق الجرس من أصحاب القرار ويبادر الى تكريم الزميل السطري؟ وأظنه لا يريد ثمن جهوده بل مساعدته في تنظيم عمله لمواصلة مسيرته ، في الحفاظ على الأرشيف الورقي الذي سيصبح في قادم الأيام عملة نادرة!
شكرا للسطري على هذه الجهود، ودائما ثمة أشخاص يتميزون بتخصص معين، وقد اختار الزميل ابراهيم هذا "الحقل الورقي"!