يحتل الأردن المرتبة ١٢ عالميا من اصل ١٨٧ دولة في مؤشر "البطالة العام" بحسب تصنيف منظمة العمل الدولية، فنحو واحد من كل خمسة أردنيين من مختلف الاعمار عاطل عن العمل و ترتفع النسبة بين الشباب إلى ما هو اكثر من اثنين من كل خمسة،علاوة على ان البطالة هنا لا تعني فقط غياب الدخل المالي اللازم لتأمين متطلبات العيش بل هي تربة خصبة لتنامي مشاعر الإحباط والتهميش وما يتبعها من مخاطر الانزلاق نحو الجريمة أو التطرف أو الاضطرابات الاجتماعية، وقد حذرت منظمة العمل الدولية في تقرير حديث من أن استمرار البطالة المرتفعة بين الشباب في المنطقة العربية يُعد من أخطر عوامل زعزعة الاستقرار لأنه يغذي حالة تنامي مشاعر الإحباط الشعبي ويضعف الثقة بالمؤسسات الحكومية.
كشف تقرير حديث لمنتدى الاستراتيجيات الأردني عن حجم التحدي في سوق العمل إذ يقدَّر عدد العاطلين من الأردنيين بنحو 429 ألفاً، في حين يعمل داخل الاقتصاد الأردني ما يقارب 1.2 مليون عامل غير أردني يشكلون حوالي 41 بالمئة من إجمالي القوى العاملة، وهذه المفارقة قد توحي للوهلة الأولى بأن الحل يكمن في استبدال العمالة الوافدة بالمحلية، وهو طرح يلقى صدى في الخطاب السياسي والشعبي، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن القضية أعقد بكثير من مجرد الاستبدال المباشر وان المعضلة تتخطى هذه الفئة من العاطلين عن العمل.
فالمشكلة في جوهرها ليست مجرد مواءمة رقمية بقدر ما هي هيكلية حيث ان معظم الوظائف المشغولة من قبل العمالة الوافدة تتركز في قطاعات كالزراعة والإنشاءات والخدمات منخفضة المهارة بينما الغالبية من العاطلين هم من حملة الشهادات الجامعية الباحثين عن وظائف مكتبية أو تخصصية،و يوضح هذا الاختلاف بين متطلبات السوق ومؤهلات الداخلين الجدد إلى العمل أن جانب من البطالة في الأردن له طابع هيكلي عميق و ليس مجرد فائض في العرض أو نقص في الطلب،ويضاف إلى هذه الفجوة بُعد ثقافي وسلوكي لا يقل أهمية، فالنظرة الاجتماعية لبعض المهن والتحيزات الثقافية تجعل شريحة واسعة من الشباب ترى في قطاعات مثل الاعمال اليدوية أو الزراعة أعمالاً غير لائقة لا تتناسب مع التوقعات المجتمعية لخريجي الجامعات.
وفيما يتعلق بالكلفة الفعلية لعملية استبدال العمالة على الاقتصاد الأردني، فإن فرض الاستبدال يخلق ضغوطات اضافية تصل لحد الإضرار بالشركات الأردنية ويحملها تكاليف أعلى في الأجور والتدريب، او يدفعها الى توظيف صوري للعمالة الاردنيةبما لا يضيف إنتاجية حقيقية، وهو ما ينعكس في ارتفاع الأسعار وتقليص فرص الاستثمار في وقت يتصدر فيه الحديث عن تشجيع الاستثمار كحل أمثل للتقليل من مشكلة البطالة.
أمام هذه المعطيات يصبح الحل الأكثر واقعيةهو تبني استراتيجية تقوم على التكامل بين العمالة الأردنية والوافدة بدلاً من الاستبدال الكامل، فقد أظهرت دراسات عدة في الاقتصاد العمالي أن العلاقة بين العمالة المحلية والوافدة يمكن أن تتحول من التنافس إلى التعاون والتكامل عبر تقسيم وتوزيع العمل بشكل متوازن بين الايدي العاملة المحلية والوافدة وبما يتناسب مع مهارات وقدرات كل منها.و تعد تجربة الحكومة الاسبانية مثالا على ذلك إذ فشلت محاولات الحكومة دفع العاطلين عن العمل المحليين في الأقاليم الجنوبية للعمل في الزراعة مكان العمالة الإفريقية لأن معظمهم من حملة الشهادات الجامعية، فظل القطاع الزراعي يعتمد على المهاجرين في المهام التشغيلية بينما اتجه الإسبان لأدوار أكثر انسجاماً مع مؤهلاتهم مثل إدارة التعاونيات الزراعية وتسويق منتجاتها.
وبالنظر إلى السياق الأردني، فإن الحل لا يكمن في سنّ سياسات لإحلال العمالة غير الماهرة في الإنشاءات أو الزراعة بعمالة أردنية،بل بدعم الشباب لتأسيس مشاريع صغيرة في الخدمات التعاقدية المساندة لقطاع البناء مثل المقاولات الفرعية المتخصصة والخدمات اللوجستية او في تشجيعهم على إطلاق مشاريع زراعية مبتكرة أو استخدام تقنيات حديثة في الزراعة مستفيدين من العمالة الوافدة منخفضة الكلفة كجزء من سلسلة الإنتاج،فهكذا يصبح وجود العمالة الأجنبية عامل تمكين لريادة الأعمال المحلية لا عائقاً أمامها.
ولكي تنجح هذه الاستراتيجية لا بد أن تُبنى على تخطيط لامركزي يأخذ في الحسبان خصوصية كل منطقة، فسوق العمل في عمّان يختلف عن عجلون أو معان، ولكل محافظة بنيتها الاقتصادية وأعرافها الاجتماعية وقطاعاتها المهيمنة، ولذلك يصبح إشراك المجتمعات المحلية في عملية التشخيص وصياغة الحلول خطوة لا غنى عنها، فالتخطيط المركزي وحده لا يمكن أن يلتقط تعقيدات الواقع المحلي أو يتعامل مع الحواجز الاجتماعية التي تواجه الشباب من كلا الجنسين في الدخول إلى سوق العمل، وعندما تُصمَّم السياسات بالتشاور مع هذه الأطراف تصبح أكثر واقعية و قدرة على معالجة الفجوات الحقيقية في كل منطقة.
تكمن الخطوة الأولى في امتلاك صورة دقيقة وموضوعية عن حجم المشكلة من خلال إحصاءات شفافة وموثوقة بعيداً عن القراءات الجزئية أو الخطابات الشعبوية، فجذور الأزمة عميقة ولها أوجه هيكلية وثقافية وسلوكية، و تجاوزها يتطلب الخروج من الأطر التقليدية التي يتكرر طرحها واعتماد خطط مبتكرة تركز على التكامل بين العمالة المحلية والوافدة وتبني سياسات لامركزية تشاركية تعكس واقع كل محافظة بهذه الطريقة يمكن تحويل التحدي إلى فرص حقيقية وتساعد بإعادة تشكيل سوق عمل أكثر عدالة وإنتاجية وقدرة على استيعاب طاقات الشباب الأردني.