في خضم تسارع الأحداث، جاء "مؤتمر حل الدولتين" بمبادرة سعودية فرنسية تم الترحيب بها بشبه إجماع خلال الاجتماع التحضيري للجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 أيار 2025. وقد انعقد المؤتمر على الصعيد الوزاري ليومين متتاليين بحضور 123 دولة ومنظمة حقوقية، هادفا الى رسم الخطوط العريضة والتمهيد للجلسات الختامية القادمةالمفترض لها أن تقوم بإقرار خطة ثابتة المسار نحو الاعتراف بدولة فلسطينية واضحة المعالم والهوية في مواجهة العالم أجمع.
وفي سبيل ذلك، أفرزت البرامج التحضيرية للمؤتمر ثمان لجان، بدأت منذ حزيران الماضي، وتهدف في مجملها الى صياغة حوكمة متكاملة لدولة فلسطينية ذات سيادة،مع مركزية السلطة ونزع سلاح الفصائل، وإعادة التعمير والبناء الاقتصادي،وأخيرا، تعزيز الأمن، ولغة السلام لمعالجة المخاوف الإسرائيلية المزعومة من مشاركتها الحدود مع دولة فلسطينية مكتملة النمو. ومن أهمها لجنة "فلسطين ذات سيادة جنبا إلى جنب في سلام مع إسرائيل"، برئاسة الأردن وإسبانيا، ولجنة "سردية للسلام"، برئاسة قطر وكندا، ولجنة "العمل الإنساني وإعادة الإعمار" برئاسة مصر والمملكة المتحدة، ولجنة "جهود يوم السلام"، برئاسة جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.
أبرز ما يميز هذا المؤتمر إشارته إلى منشأ المشكلة مع انتهاء الانتداب البريطاني، وصولا لخطة التقسيم 1947 التي أقرتها الأمم المتحدة بدولتين، يهودية وعربيةوانتهاءً بحدود ال67. أي أنه أعاد التأكيد على المقررات الأممية السابقة لصالح فلسطين مع اعتمادها أساسا لما ينتج عن هذا المؤتمر من تطورات- بخلاف واقع الحال المعاصر الذي فرضته إسرائيل!وهو بذلك يشكل فرصة تاريخية ومنصة دولية ثانية- الى جانب دعوى جنوب أفريقيا- لتنوير الشارع الغربي خاصة عن حقيقة وعدالة القضية الفلسطينية. الأمر الذي ينسجم مع التوجه الأوروبي والدولي المتصاعد نحو الاعتراف بفلسطين، كإيرلندا والنرويج وإسبانيا 2024- وتصريح فرنسا وبريطانيا ونية لوكسمبورغ في قادم الأيام مما يقاربهم لل146 من أصل 193 دولة.
فهل ينجح هذا المؤتمر فيما عجزت عنه جهود ثماني عقود مضت؟ وهل يتمكن "تسونامي" المجاهرة، المتنامي ضمن أروقة الشارع الغربي نتيجة سياسة التجويع والقتل والابادة في غزة- من إرغام إسرائيل على التسليم لرأي الأغلبية؟ أم أن لبني صهيون من قول المتنبي نصيب: "لا افتخارَ إلا لمن لا يُضامُ،،، مدركٌ أو محاربٌ لا يَنامُ"!
أبدأ بالأثر القانوني ببساطة، ففي حين تعتبر أي خطة أممية قادرة على إنصاف فلسطين بنتيجة هذا المؤتمر إنجازا جديرا بالتقدير، إلا أن المصادقة عليه من قبل الجمعية العامة، لن تتعدى قاعة التصويت ما لم يتم تأييدها بخطة تنفيذية من مجلس الأمن بموجب البند السابع إن لزم الأمر! ومن أبرز الدلالات التي تبطل تلك الفرضية: قيام الكنيست بأغلبية 71 عضوا بالتصويت على قرار ضم الضفة بخلاف القرارات الأممية في هذا الخصوص مثل 242/1967 و338/1973 و2334/2016. بالإضافة الى الإعلان عن خطة البدء بضم أجزاء من قطاع غزة للسيادة الإسرائيلية لاسترضاء اليمين المتطرف والحيلولة دون اسقاط حكومة نتنياهو!بل جاء توقيت تلك القرارات ليسبق المؤتمر بأيام معدودات ويكبح جماحه أمام كافة الجهود الدولية لإحلال السلام. أضف الى ذلك عدم اكتفاء الولايات المتحدة الأمريكية بالامتناع عن المشاركة بالمؤتمر وتوجيهها رسائل دبلوماسية تحذيرية لغيرها من الدول لتحذو حذوها؛ وإنما زادت بأن صرح سفيرها لدى إسرائيل بأن "إقامة دولة فلسطينية لم تعد هدفا حقيقيا للسياسة الخارجية الأميركية"! مع التلويح المباشر والعلني بعواقب دبلوماسية بحق الدول التي تقدم على "خطوات مناهضة لإسرائيل!فماذا نحن فاعلون؟
بالمحصلة وعن نفسي، فإنني لا أرى فيما سبق مدعاة للتخاذل بقدر ما هو مدعاة للبناء. وقد كان لنا بالعام الماضي مثال مشابه عندما أيدت الجمعية العامة،بأغلبية ساحقة في أيار 2024، الاعتراف لفلسطين بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة- قبل أن يقوم مجلس الأمن بتعليقها. تلك مكتسبات متدرجة نحو النور ولا يحق لنا إنكارها- خاصة وأن افتقار هذه القرارات الأممية لسلطة التنفيذ لا يعني فقدانها للشرعية الدولية ولا يعني بتاتا تخاذلنا عن استغلال ذلك التعبير الأممي عن وجدان العالم الحر.فهل رفعنا الراية مكتفين بجلد الذات! أم أنها استكانة المترقب لقادم الأحداث؟أعيد التأكيد على دورنا للمساهمة في وسائل الشرعية الدولية المتاحة للضغط؛والتي من شأنها إيقاظ الشارع الغربي وكشف الحقائق لإرغام قياداته على قلب الموازنة. فها هي المملكة العربية السعودية تتصدر المشهد اليوم- الى جانب فرنسا التي تحوي أكبر جالية يهودية بالعالم ناهيك عن إرثها التاريخي بين مجموعة الدول النووية العظمى- للتأكيد على ثوابت الأمة تجاه القضية الفلسطينية!
لن أتحدث عن الدور الأردني قيادة وشعبا فلا مجال للمزايدة. أرى طريق النضال واعدا بإذن الله على الرغم من كثرة التعرجات، وأؤكد على أن إعداد الذات لا يبدأ بإطلاق النار على العمود الفقري بل بتوحيد الصفوف.أدعو الىتحريم خطاب الملامة وليبدأ كل منا بنفسه؛ففلسطين لم تعد قضية قاصرة على عرق أو دين،،، ولغيرنا فيها من أحرار العالم والمؤثرين الثائرين ما يتعدى القيود الكلاسيكية؛ ولكل فرد من هذا العالم دور لا بد يدركه؛فهلموا بنا للبناء ونشر الحقائق إلا أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. وليلحق بالركب من يلحق،،،