مع تسارع وتيرة التحول الرقمي على مستوى العالم، لم يعد الاستثمار الكثيف في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أو عدد المشتركين في خدمات الإنترنت، هو المعيار على التقدم التقني، بل أيضًا قدرة الأفراد في المجتمع على التعامل الواعي المسؤول، بما يشمل الاستخدام الأخلاقي، واحترام الخصوصية، والأمان الرقمي. وفي هذا السياق، ومع توسع الاعتماد على الأدوات الرقمية في شتى القطاعات، يُطرح تساؤل مهم: هل نمتلك ثقافة رقمية راسخة أم مجرد أدوات رقمية واسعة الانتشار؟ مع العلم بأن كثيرًا من المواطنين يستخدمون التكنولوجيا، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، دون امتلاك ثقافة رقمية واعية بمصادر المعلومات، والإشاعات، والابتزاز الإلكتروني، وعمليات الاحتيال والنصب، وهي مؤشرات حقيقية على ضعف وهشاشة الثقافة الرقمية لدى كثير من المستخدمين. وعلى الرغم من أن الأردن يعتبر من أوائل الدول العربية التي تبنت واستثمرت في البنية التحتية الرقمية، حيث تجاوزت نسبة مستخدمي الشبكة 90% من السكان، إلا أن ذلك لا يعبر بالضرورة عن امتلاك ثقافة ووعي رقمي لدى المستخدمين. وعلى الرغم من امتلاك الأردن طاقات شبابية قادرة على التعامل والتفاعل مع العالم الرقمي بإبداع حقيقي، إلا أن هذه الحالات أو النماذج ما تزال فردية وبحاجة للتطوير، ورغم وجود مبادرات تسعى إلى نشر الوعي الرقمي من قبل مؤسسات الدولة من أجل إعداد كوادر مؤهلة لقيادة المرحلة القادمة في ظل التطور في الذكاء الاصطناعي. ومن خلال ملاحظة الاستخدام، يتبين أن التكنولوجيا تُستغل غالبًا في جوانب التسلية والترفيه والتواصل الاجتماعي فقط، وقد يكون هذا هو الاستخدام السائد والوحيد، مع غياب استغلال هذه البنية الرقمية في المساهمة الفاعلة والإنتاج. وأصبح المستخدم مستهلكًا لهذه التكنولوجيا فقط. وقد ظهر هذا الخلل بوضوح خلال جائحة كورونا، من حيث عدم الجاهزية وضعف المهارات الرقمية لدى جميع المستخدمين من معلمين وطلاب وأفراد المجتمع على حد سواء.وعلى المستوى المجتمعي، لا تزال هناك فجوة رقمية بين المحافظات والمناطق النائية، سواء من حيث جودة الاتصال بالإنترنت، أو مستوى التدريب والتمكين، أو أبعاد أخرى اجتماعية وثقافية. وبناءً عليه، ولغاية هذه اللحظة، لم يتجاوز دور المؤسسات التعليمية تعليم الطلبة مهارات الحاسوب أو منصات التعليم الإلكتروني، دون تناول الجوانب الفكرية أو السلوكية والإبداعية بشكل كافٍ، والمرتبطة بالتحولات الرقمية.ولذلك، نحن بحاجة إلى تنفيذ فعلي لرؤية شاملة تبدأ من المراحل الأساسية في المدرسة، وصولًا إلى المرحلة الجامعية، بالإضافة إلى دور الإعلام في هذا المضمار، في تشكيل وعي حقيقي بأهمية العالم الرقمي، لبناء جيل مُمَكَّن رقميًا، قادر على استغلالها الاستغلال الأمثل. وهذا يتطلب تكاتف الجهود وتكامل الأدوار على مستوى مؤسسات الدولة، لبناء ثقافة رقمية ناضجة في وطننا الحبيب.