هل يمكن أن تتأثر سمعة مؤسسة أكاديمية عريقة ليس بسبب ضعف برامجها العلمية أو قلة إنتاجها البحثي، بل بسبب صراعات داخلية يغذيها الكذب، والنفاق، والحسد بين بعض الأكاديميين؟ إن ما نراه اليوم في بعض الجامعات العالمية يثبت أن هذه الآفات، إذا تُركت دون مواجهة، قد تنخر في أعماق المؤسسة حتى تضعف مكانتها على الساحة الدولية.
في عالم يتسارع فيه التقدم العلمي، من المؤسف أن تنشغل بعض الجامعات بحروب صغيرة تافهة، أشبه بـ”حرب الفطائر” التي وصفها رابليه قبل قرون، حيث تتحول تفاصيل هامشية إلى معارك ضارية. الخلافات الطبيعية بين الزملاء أمر صحي إذا بقيت في إطارها المهني، لكنها تصبح مدمرة حين تتطور إلى حملات تشويه وشائعات عن “فساد أكاديمي” أو “محسوبيات” لا أساس لها، تهدف إلى الإقصاء لا إلى البناء.
القادة الأكاديميون الذين يتجاهلون هذه الظواهر أو يخفون الحقائق تحت شعارات براقة يساهمون، بقصد أو دون قصد، في فقدان الثقة بالمؤسسة. فالشفافية هي العمود الفقري لأي نظام أكاديمي ناجح، وإذا غابت حلت محلها ثقافة الصمت والهمس، لتنتشر الشائعات وتصبح الكلمة الملفقة أكثر تأثيرًا من الحقيقة.
النفاق بين الزملاء يمثل الوجه الآخر لهذه الأزمة، حين تتحول المجاملة الزائفة إلى أداة للبقاء، ويغيب النقد البنّاء خوفًا من الاصطدام بالتيارات السائدة. أما الحسد، ذلك المرض الصامت، فيحبط روح الإبداع، إذ يصبح نجاح أحد الأساتذة سببًا لتآمر الآخرين بدلًا من كونه دافعًا للتعاون أو الإلهام.
إن أثر هذه الآفات لا يقتصر على العلاقات الداخلية، بل يمتد ليؤثر مباشرة على سمعة الجامعات عالميًا. تصنيفات التعليم العالي مثل QS وTimes Higher Education لا تعتمد فقط على جودة الأبحاث والمنشورات، بل تأخذ بعين الاعتبار سمعة المؤسسة بين الخبراء والشركاء الدوليين. وعندما تتسرب أخبار عن صراعات داخلية أو ممارسات غير أخلاقية، فإنها تضعف ثقة المجتمع الأكاديمي والدولي بالجامعة، ما يؤدي إلى تراجع مكانتها وربما إلى هجرة العقول المتميزة منها.
لقد رأينا نماذج واضحة لذلك في جامعات عريقة اضطرت لتشكيل لجان تحقيق بسبب اتهامات داخلية أو شائعات تحولت إلى قضايا رأي عام، حتى وإن ثبت لاحقًا عدم صحتها. الضرر الأكبر ليس في حقيقة الشائعة نفسها، بل في أثرها على صورة المؤسسة أمام العالم، لأن الثقة حين تتزعزع لا تعود بسهولة.
الحل يكمن في إعادة بناء ثقافة أكاديمية تقوم على قيم النزاهة، والشفافية، والعمل الجماعي. تحتاج الجامعات إلى سياسات واضحة لمواجهة التشهير والإشاعات، وإلى تعزيز قنوات التواصل والحوار بين الأكاديميين بدل ترك الخلافات تتفاقم خلف الأبواب المغلقة. والأهم من ذلك، يجب أن يدرك الأكاديميون أن نجاح زميلهم ليس خصمًا من رصيدهم، بل إضافة للجامعة وللمنظومة العلمية بأكملها.
إن الجامعات، بحكم مكانتها العالمية، تتحمل مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على هذه القيم، لأنها ليست مجرد مؤسسات محلية، بل منصات لتبادل المعرفة والثقافة على مستوى العالم. وإذا استمر تركيز بعض الأكاديميين على الصراعات التافهة بدل الإبداع والبحث، فإن الخاسر الأكبر سيكون التعليم العالي ككل، الذي يفقد بريقه ويترك المجال لخطابات التشكيك والنقد السلبي.
في نهاية المطاف، لا يمكن بناء جامعة قوية بفضل المباني الضخمة أو التمويل وحده، بل عبر الثقة المتبادلة بين أعضائها، واحترام الحقيقة، وإعلاء قيمة التعاون على حساب الأنا الضيقة. وإن لم نتحلَّ بالشجاعة لمواجهة هذه الآفات، فسنظل نعيد إنتاج قصص “حرب الفطائر” في صورة جديدة، بينما تتقدم جامعات العالم التي تعلمت أن الانتصار الحقيقي هو في مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين.