الأردن يمرّ اليوم بمرحلة دقيقة تتطلّب خطاباً وطنياً واعياً، يوازن بين الواقع الداخلي الخلاّق، والمحيط الإقليمي المتقلّب. في هذا المقال، أضع بين يديكم قراءة وطنية حواليّة عن التحديات التي نواجهها، والمواقف التي اتخذناها، لتحقيق الاستقرار والأمن والكرامة.
الأمور الاقتصادية أصبحت تتطلب اهتماماً فائقاً: من بطالة الشباب إلى تراجع المستوى المعيشي والضغط على ميزانيات الأسر. الحكومة تعمل بكل جد لدعم المشاريع الاستراتيجية؛ فمشروع "الناقل الوطني للمياه" الذي يربط بين العقبة وعمّان هو مشروع حياة واستدامة، لا رفاهية. أما برامج دعم القطاع الخاص وإقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة فهي فرصٌ ينبغي تعظيمها ومعالجتها بجدّ.
على مستوى المجتمع، نجد أن الحفاظ على السلم الأهلي ومكافحة التحريض أو التشويه مسؤولية وطنية مشتركة. لقد قررت الدولة التدخّل لتنظيم الأمور القانونية، وخاصة ما يتعلق بقانون الجرائم الإلكترونية، الذي يهدف لحماية المواطنين والدولة من إيذاء ذاتي. الحرية مكفولة، لكنها ليست رخصة للفوضى أو زعزعة الثقة بين المواطن والدولة.
أما على المستوى الإقليمي، فقد انتقل الأردن إلى موقع الحياد الإيجابي الذي يرفض بكل وضوح أن يكون جزءاً من صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. في الأشهر الماضية، شهدنا سقوط طائرات مسيّرة وشظايا صواريخ داخل المجال الجوي الأردني. وفي إحدى الحوادث، سقطت طائرة من نوع Shahed 101 مصنوعة في إيران في منطقة سكنية في عمّان، ما أحدث أضراراً مادية طالت محيط مطعماً لكن من دون إصابات بشرية. الجيش الأردني عمل على تفكيك الحوامض وتأمين المنطقة فوراً، وأكد أن مثل هذه الانتهاكات تعرض الأردن للخطر.
وفي تصريح صريح، أكّد معالي وزير الخارجية أيمن الصفدي، خلال اتصالاته مع الجانب الإيراني والبريطاني، أنّ الأردن لن يكون ساحة حرب ولن يسمح لأي جهة بخرق سيادته الجوية أو زعزعة أمن مواطنيه، وأبلغ إيران وإسرائيل بهذا بوضوح تام: "لكل مسيّرة أو صاروخ من إيران أو إسرائيل يخترق أجواء الأردن سنتصدى له حتى لا يهدد الأردن والأردنيين. لو أطلقت إسرائيل الصواريخ سنفعل الشيء ذاته ونسقطها. كذلك صرّح بأن بلاده ستتصدى بكل إمكاناتها لأي تهديد، وقد أبلغ إيران وإسرائيل بذلك بوضوح مطلق، وإن الامن والاستقرار السائد في الاردن خط أحمر لا يسمح لأي طرف بزعزعته أو التأثير عليه کما حدث لبلدان أخرى في المنطقة والتي لازالت تعاني من الآثار اوالتداعيات السلبية تحت أي مسميات أو عناوين کانت.
الموقف الأردني هذا يعكس رسالة قوية: لا نسمح باستخدام أجوائنا أو أراضينا كأدوات ضغط أو اختبار نفوذ إقليمي. لقد شرح الصفدي أن مشاكل المنطقة هي بين إيران وإسرائيل، وليس لها ما يجمعها بالأردن، وأن الأردن لن يسمح بإدخاله في لعبة المحاور.
من جهة أخرى، هناك تحدٍ داخلي لم يُذكر كثيراً، وهو ظاهرة تهريب المخدرات عبر الحدود الجنوبية. وقد صدرت في ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ بيانات رسمية تحذّر من نشاطات شبكة دولية لتهريب الكبتاجون التي يتردد أنها تقف خلفها جهات لها ارتباطات إقليمية. وحدّدت الأجهزة الأمنية عدداً من شبكات التهريب، وأعلنت بأنها صادرت كميات كبيرة من المخدرات وقتلت عدة عناصر، بينهم من تلقوا تدريباً في مناطق نزاع داخل سوريا، وبعضهم تربطه تحالفات مشبوهة مع ميليشيات خارجية. هذه الأنشطة الأمنية تؤكد أن الأردن ليس فقط يقظاً في المجال الجوي، بل أيضاً على الأرض ضد أي محاولات لاختراق أمنه أو استغلاله بطرق غير مشروعة.
ما يميّز الأردن هو موقفه المعتدل الثابت: نرفض أي تدخل في شؤوننا، ولا ندخل خلافات المنطقة، لكننا لا نخشى القول للحقيقة عندما يتعلق الأمر بسيادتنا الوطنية. علاقاتنا مع الجميع مفتوحة، شريطة احترام مصالحنا وسيادتنا وعدم استعمال أراضينا أو سماؤنا كمسار لاستهداف الآخرين.
الأردن أثبت مجدداً أنّه دولة مؤسسات، تقف أمام التحديات بصلابة، وتحمي شعبها بجدّية. واليوم، يحتاج وطننا إلى مزيد من التضامن، والدعم المتبادل بين المواطن والدولة. لا وقت للمزاجيات أو الحسابات الضيقة، فمصلحة الأردن هي المضمون، والثبات خيارنا الأول، والوعي الوطني طريقنا إلى المستقبل.