نذكر قبل سنوات قليلة عندما بهرتنا رئيسة وزراء نيوزلندا في مقطع فيديو قصير وهي تعدد إنجازات حكومتها في دقيقتين بمناسبة مرور عامين على عملها إثر تحدي طاقمها لها، واللافت أنها لم تنهيها في المدة المحددة وهو ما يعطي انطباعا أن حكومتها كانت على قدر عال من الكفاءة والفاعلية حيث تنوعت الإنجازات من منجزات معدودة مثل عدد المدارس والمستشفيات والوحدات السكنية والأطباء والوظائف إلى نتائج ذات أبعاد متعددة الأثر مثل تقليل نسبة البطالة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية. ولكن يلح علينا سؤال هل تعد جميع الإنجازات مؤشرات للفاعلية؟
لا بد أن تعتمد الحكومات على عدد متنوع من مؤشرات الأداء لقياس مدى فاعلية الخطط والسياسات وتوفر معايير محددة يمكن من خلالها متابعة تقدم إنجاز وتحقيق الأهداف وتقييم كفاءة تنفيذها، كما تسهل مشاركة هذه النتائج مع جمهور متنوع الاحتياجات من المعلومات وطرق توظيفها، وتضع مسار لمراقبة أداء الحكومة.
في سابقة في متابعة الأداء الحكومي قدمت الحكومة الأردنية برنامج رؤية التحديث الاقتصادي 2023-2033 وهو برنامج معد ليكون عابرا للحكومات بهدف تثبيت بوصلة عمل للحكومات في سعيها لتحفيز النمو الاقتصادي المستدام وتحسين مستوى حياة المواطنين، وفي سبيل ذلك تبنت عددا من المؤشرات مثل زيادة معدلات النمو الاقتصادي وتقليل البطالة وتحقيق استدامة مالية للبلاد. بحيث تكون الأداة الأساسية المعلنة لها لتحديد مدى تحقيق الأهداف التي وضعتها. ولا يقتصر دور هذه المؤشرات على توفير بيانات تساعد في قياس النجاح، بل تعمل أيضًا على تعزيز الشفافية والمساءلة، حيث يمكن للمواطنين والمجتمع بكافة أطيافه من متابعة نتائج السياسات بشكل دوري. ويجب أن تمثل معايير كمية ونوعية لتؤدي هذه الأدوار بشكل جيد، ولكن اذا تم تصميمها بشكل غير دقيق او غير ملائم، فإنها قد تعطي نتائج مضللة، ويجب الحرص على تجنب هذه الأخطاء عن طريق تحديد مؤشرات أداء دقيقة تتواءم مع الأهداف الاستراتيجية.
على سبيل المثال، تم تبني مؤشرات معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدل الاستثمارات المحلية والأجنبية لقياس نجاح الهدف الاقتصادي المتعلق بتحفيز النمو، لكن يمكن أن نتوقع وجود حالة ضعف في هذه المؤشرات وحدها لقياسها حجم الاستثمارات فقط دون النظر إلى جودة هذه الاستثمارات أو تأثيرها الفعلي والحقيقي على الاقتصاد، حيث إنها قد لا تعكس الواقع بشكل كامل. كما أن أحد المؤشرات الأكثر أهمية في الرؤية هو خفض معدل البطالة من خلال توفير فرص عمل جديدة، ولكن هل يمكن أن نقتنع أن تقليل عدد العاطلين عن العمل كافيًا؟؟ طبعا يجب أيضًا تقييم جودة الوظائف المستحدثة والفرص المهنية المستدامة التي يتم خلقها من خلال تضمين مؤشرات أخرى لقياس مستوى الاستدامة الوظيفية والتحسن في رواتب العاملين والقطاعات المستحدثة. وفي قياس تطوير بيئة الأعمال تم الاعتماد على مؤشر سهولة ممارسة الأعمال، الذي يقيس مدى مرونة النظام الاقتصادي والتشريعي في جذب الاستثمارات المختلفة من خلال قياس إجراءات التسهيلات الإدارية فقط، دون الأخذ بعين الاعتبار أهمية مدى الشفافية أو الحوافز المقدمة للمستثمرين في تحسين بيئة الاعمال، مما يعجزه عن تقديم التصور الحقيقي لنجاح هذه السياسة. والوضع لا يختلف كثيرا في مجال تحسين التعليم والتدريب المهني الذي يعد أيضا من الأهداف الرئيسية لرؤية التحديث الاقتصادي، حيث تم تحديد مؤشرات عددية فقط مثل عدد الطلاب المتخرجين أو عدد الدورات التدريبية المقدمة لقياس نجاح هذه السياسات دون قياس فاعليتها مثل قياس مستوى الكفاءة التي يكتسبها الخريجون من خلال التدريب، ومدى قدرة سوق العمل على استيعابهم.
ختاما، ما نسعى إليه أنه لا نريد أن نسمع أن الحكومة أنفقت الملايين لإنشاء منصات إلكترونية لتقديم الخدمات وترابطها بين مؤسسات متعددة وانجزت أتمتة ٩٠٪ من الخدمات في حين أن الموظف مقدم الخدمة يكتفي بإغلاق طلب خدمة بمجرد قيامه بالتواصل مع متلقي الخدمة دون التأكد من تقديم الخدمة المطلوبة فعليا من خلال التغذية الراجعة ويقدم تقرير الانجاز اليومي مكتملا، ولا نريد أن نسمع أن الاستثمار في الخدمات الصحية زاد بنسبة ٥٠٪ في حين يحتاج المريض موعدا لعدة أشهر للقيام بإجراء طبي بسيط.