يُقاس مدى تطور الدول بقدرتها على الإستجابة للتحديات، لكن تحدي الأمن الغذائي يبقى هو الضاغط الأبرز في كل الأوقات، لاسيما مع زيادة الكثافة السكانية وتراجع المساحات المتاحة للزراعة وتأثيرات التغير المناخي على النشاط الزراعي.
لذلك، تشكل أي مبادرة استجابة لهذا التحدي أهمية قصوى، خصوصا إذا كانت مبادرات محلية وبأيدي أردنية واستثمار وإشراف من مؤسسات وطنية.
أولى هذه المبادرات زراعة الأراضي في الباقورة والغمر، بعد استعادتها، قبل نحو 7 سنوات، وبإدارة من قبل القوات المسلحة الأردنية وبالتعاون مع القطاع الخاص. هاتان المنطقتان اللتان تتمتعان بأراضي زراعية خصبة جدا، وتوفر المياه، وهي أراض دافئة لوجودها في وادي الأردن، ما يزيد من معدل الإنتاج على مدار العام. حيث تمكنت من استخدام التقنيات الزراعية الحديثة لتكثيف الإنتاج والمساهمة في تقليل الاعتماد على الإستيراد والتصدير أحيانا لبعض المحاصيل الزراعية.
المبادرة الثانية، عسكرية أيضا، تشرف عليها القوات المسلحة الأردنية، وهي المشاريع الزراعية التي أطلقها جلالة الملك لزراعة أرض مساحتها 25 ألف دونم تروى من آبار المدورة البالغ عددها 25 بئرا، بمختلف المحاصيل الحقلية والتي تسهم في تطوير مشاريع أخرى مرتبطة بها منها تربية وتنمية الثروة الحيوانية وتكثيف إنتاج اللحوم والحليب والألبان.
هذا المشروع يتم تنفيذه من خلال المجتمع المحلي بتأسيس جمعية لهذه الغاية، وهي خطوة مهمة لإشراك المجتمع المحلي في سلسلة الإنتاج الزراعي والتأسيس لبناء مجتمعات زراعية منتجية.
وأعتقد أن هناك مشاريع زراعية تحت الإنشاء في البادية الشمالية الشرقية لزراعة الحبوب والمحاصيل الرعوية تضاف إلى المبادرات التي تشرف عليها القوات المسلحة لتحقيق هذا الهدف الوطني.
المبادرة المؤسسية الثالثة هي شركة الضمان للاستثمار والصناعات الزراعية التي انطلقت في عام 2020، لتكون الذراع الاستثماري لصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، لدعم وتنمية القطاع الزراعي في الأردن.
الشركة بدات تنفذ زراعات نوعية على مساحة 30 ألف دونم في منطقة المدورة، لتسهم في تحقيق الهدف الوطني لتعزيز الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، ودعم الاقتصاد الوطني بما يحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والبيئية.
الزراعات النوعية والمحاصيل الاستراتيجية التي تستهدفها هي القمح، بما يساهم في توفير مصادر جديدة لإنتاج القمح وزيادة الاعتماد على المصادر المحلية في توفير هذه المادة الاساسية والاستراتيجية في الأمن الغذائي لأي بلد، وأيضا البطاطا التصنيعية التي تسهم في توفير مادة أولية لمصانع الشيبس والمطاعم، فضلا عن زراعة الأعلاف التي تساهم في توفير مصادر تغذية عالية الجودة للثروة الحيوانية، لاسيما الأبقار، مما يساعد في توفير مصادر محلية إضافية للحوم ومشتقات الأجبان والألبان.
هذه التجارب إذا ما تم التوسع فيها أفقيا ورأسيا، فإنها ستبني مجتمعات زراعية جديدة، وتزيد من درجة الاعتماد على المصادر المحلية في توفير الغذاء، وتساهم في الوصول إلى درجة مريحة من الإكتفاء لبعض المحاصيل، وتوفر فرص عمل لأبناء المناطق الزراعية، وتحقق أهدافا اقتصادية أبرزها تقليل الاعتماد على الاستيراد وتوفير العملات الأجنبية وتحسين الميزان التجاري وميزان المدفوعات.