يتطلّب إصلاح القطاع العام في الأردن ما هو أبعد من تعديل التشريعات أو تطوير الإجراءات؛ فهو يستدعي إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها موظفي المؤسسات الحكومية مع مراجعي الخدمات اليومية، فنجاح أي إصلاح إداري لا يعتمد فقط على البنية التنظيمية أو كفاءة الموظفين، بل أيضاً على الثقافة السائدة التي تشَكل نمط السلوك المتبع داخل المؤسسة، وهنا تبرز الحاجة إلى تبنّي ما يُعرف بـ «ثقافة الخدمية»، اي أن تتصرفاداراتالجهات الحكومية بوصفها مقدّماً فعلياً للخدمة العامة وتضع المواطن في مركز اهتمامهاوتتعامل معه كشريك لا كمُراجع، ولتحقيق هذا التحوّل، لا بد أولاً من فهم ما تعنيه الثقافة المؤسسية وكيف تتشكّل وتتجذّر من خلال الممارسات والسلوكيات اليومية.
لتعميق وتعميم المقصد مما يعنيه مصطلح بناء ثقافة خدميةلمؤسسات القطاع العام، علينا أن نبدأ بمفهوم الثقافة نفسه، وكما يوضح عالم النفس الامريكي إدغار شاين، فإن الثقافة هي نمط مشترك من الافتراضات والمعتقدات والقواعد غير الرسمية التي تطوّرها المجموعات تدريجياً مع الوقتوتشكّل سلوك الأفراد دون وعي مباشر، وعند تطبيقها على المؤسسات تصبح هذه الثقافة هي ما يُعرف بـ الثقافة المؤسسية التي تضم المعايير غير المكتوبة والموجهةلتصرّفات الموظفين و تعاملهم ضمن نطاق المؤسسة التي يعملون فيها، ومن هنا تبرز «ثقافة الخدمية» كعنصر أساسي في العمل الحكومي و التي وصفها احد اهم علماء النفس التنظيميبنجامين شنايدر بأنهامجموعة مشتركة من المعتقدات والسلوكيات التي تعطي الأولوية لتلبية احتياجات العملاء بطريقة منتظمة و محترمة وتركز على حل المشاكل، مما يعني ان تحسين التعامل مع المواطنين لا يكون مبني على مبادرات فردية بل جزء من سلوكيات مؤسسية متوقعة من مقدم الخدمة الحكومية.
بالنظر الى واقع الحال الأردني، لا تزال الثقافة الخدمية غائبة عن جزء كبير من مؤسسات القطاع العام في الاردن، وليس هذا الغياب مؤشراً على ضعف كفاءة الموظفين بل يعود في جوهره إلى مجموعة من العوامل البنيوية والسلوكية المتراكمة حيث يسود في بيئة العمل الحكومية نمط من الحذر وتجنّب المخاطرة لدى الموظفين مما يحدّ من المبادرة الفردية والمرونة في الاستجابة لحاجات المواطنين، كما لا تزال العلاقة بين الموظف الحكومي والمواطن تتسم بطابعشبهسلطوي في كثير من الأحيان، حيث يُنظر إلى المواطن كمُراجع يجب ضبطه لا كشريك ينبغي خدمته، بالإضافة الى افتقار العديد من المؤسسات إلى أنظمة واضحة للتغذية الراجعة عن أداء الموظف مقدم الخدمة واليات تحسين أدائه وتحفيزه.
يمكن تعزيزفكرةالثقافة الخدمية في القطاع العام من خلال إدخال تغييرات ممنهجه في بيئة العمل والسلوكيات المؤسسية، فعلى سبيل المثال يمكن تعديل تصميم طرق تقديم الخدمة لتسهيل التفاعل الإيجابي بين الموظف والمواطن، وتدريب الموظفين الجدد على أدوارهم من منظور تقديم الخدمة العامة وليس فقط إنجاز المعاملات، كما ويمكن تفعيل أنظمة تغذية راجعة مستمرة من المواطنين لتُستخدم كأداة لتقييم أداء الموظفين و الدوائر الحكومية،وقد أظهرت تجارب العديد من الدول أن تعزيز الثقافة الخدمية لا يتم من خلال نماذج موحدة بل من خلال سياسات مصمّمة بعناية لتناسب السياق الثقافي والاجتماعي لكل بلد، ففي سنغافورة، ركّزت الإصلاحات على تدريب الموظفين على مهارات التواصل واحترام المتعامل بما يتماشى مع الثقافة الآسيوية القائمة على الانضباط والاحترام. أما الإمارات العربية المتحدة، فاعتمدت مقاربة تنافسية عززت من روح التميّز عبر أنظمة دقيقة لقياس رضا المتعاملين. وفي إستونيا، استندت تجربة التحول الرقمي إلى تحقيق الثقة العالية بين المواطن والحكومةما سهّل نقل الخدمات إلى بيئة إلكترونية بالكامل.
وفي السياق الأردني، يمكن البناء على الخصوصية الثقافية التي تمنح العلاقات الاجتماعية والحرص على السمعة مكانة مركزية في تشكيل السلوك الفردي لتعزيز الثقافة الخدمية في المؤسسات العامة. إذ يمكن تسليط الضوء على النماذج الإيجابية داخل الدوائر الحكومية وتقدير الموظفين الذين يجسّدون سلوكيات الخدمة الفعالة من خلال تكريمهم بطرق تتماشى مع القيم الاجتماعية مما يعزّز مكانتهم المهنية والاجتماعية في آن واحد. كما يمكن نقل بعض القيم المجتمعية الراسخة، مثل الكرم، وحسن الاستقبال، والانتماء، إلى الفضاء المؤسسي، وتحويلها إلى معايير أداء سلوكية تُسهم في تحسين تجربة المواطن وتعزيز الثقة بالمؤسسات العامة،و من المهم لضمان استمرارية هذه السلوكيات وتعزيزها تفعيل آليات تغذية راجعة منتظمة تتيح للمواطنين تقييم تجربتهم بشكل مباشر ليتم توظيفها كأداة لتحفيز الأداء الإيجابي.
إن بناء ثقافة خدمية حقيقية في القطاع العام لا يمكن اختزالهافي شعارات عامة أو حملات تدريبية مؤقتة، بل يتطلب تغييراً عميقاً في الأنظمة والسلوكيات اليومية والذي يستند إلى فهم علمي لكيفية تشكّل السلوك البشري داخل المؤسسات، حيث يشكل دمج مبادئ العلوم السلوكية مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية في الأردن عملياً ومؤثراً لإحداث هذا التغيير والنهوض بالقطاع العام في الأردن. فالتحول نحو ثقافة ترى في المواطن شريكاً لا متلقياً، وفي الخدمة مسؤولية لا إجراءً روتينياً، هو الخطوة الأولى نحو بناء إدارة عامة أكثر مهنية وثقة وقدرة على الاستجابة لتطلعات الناس وتحسن من مظهر الموظف العام في تعامله مع جمهور متلقي الخدمة.
باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية