سوريا لم تكن يومًا دولة عابرة في الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل شكلت دومًا مركز الثقل في معادلات الأمن والاستقرار. وما يجري على أرضها لا ينحصر في حدودها السيادية، بل يمتد أثره إلى جوارها العربي، ويعيد رسم التوازنات الإقليمية والدولية. لقد كشفت الأزمة السورية، بكل تعقيداتها، هشاشة البنية الإقليمية، وأكدت أن استقرار سوريا ووحدة أراضيها شرط أساس لتحقيق أي شكل من أشكال الاستقرار في الشرق الأوسط. فالمسألة السورية لم تعد قضية داخلية، بل قضية استراتيجية عربية بامتياز.
لقد أثبتت التجربة أن ما يحدث في سوريا لا يبقى في سوريا. كل موجة لجوء عبرت حدودها كانت عبئًا مضاعفًا على دول الجوار. وكل فراغ أمني نشأ داخلها، استغلته جماعات متطرفة عابرة للحدود. وكل تدخل خارجي ألقى بثقله، زاد من تعقيد المشهد، وأشعل فتيل النزاعات المتقاطعة. لم تعد سوريا مجرد وطن جريح، بل أصبحت مرآة تعكس عمق الأزمة البنيوية في النظام الإقليمي العربي.
والحديث عن دعم سوريا لا يعني الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يعني الحفاظ على الكيان السوري كدولة وشعب وهوية ومؤسسات. فحين تسقط الدول، تنهار معها الجغرافيا، وتتآكل السيادة، وتُفتح الأبواب أمام مشاريع التقسيم وإعادة التشكل. ولذلك، فإن حماية سوريا من التفكك ليست دفاعًا عن دمشق فحسب، بل دفاع عن الوعي العربي، وعن الحاضر والمستقبل المشترك.
لقد تحوّلت الأراضي السورية إلى ساحة صراع دولي وإقليمي. قوى خارجية تنازعت على النفوذ والمصالح، وسعت إلى فرض خرائط جديدة على حساب إرادة السوريين. قوى إقليمية لعبت على التناقضات الداخلية، ودعمت مجموعات مسلحة لأهداف توسعية. وقوى دولية استخدمت سوريا ميدانًا لتصفية الحسابات، وفرض توازنات جديدة. وفي ظل هذا التشابك المعقد، ضاعت فرص الحل، وتاهت الأصوات الوطنية في زحام الأجندات المتضاربة.
ولا يمكن الحديث عن الأزمة السورية دون التوقف عند العدوان الإسرائيلي المستمر على الأراضي السورية، والذي لم يتوقف منذ اندلاع الحرب، بل تصاعد في أوقات حساسة، مستهدفًا مواقع عسكرية ومدنية تحت ذرائع أمنية. هذا العدوان لم يكن يومًا دفاعًا مشروعًا كما تزعم إسرائيل، بل هو خرق صريح للقانون الدولي ولسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، ومحاولة لإبقاء سوريا في حالة من النزيف والتفكك. إسرائيل تستثمر في استمرار الفوضى، وتجد في تآكل الدولة السورية فرصة استراتيجية لتوسيع نفوذها وضرب محور المقاومة، وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة لصالحها. وهذا ما يجعل من العدوان الإسرائيلي عاملًا رئيسيًا في إجهاض محاولات الحل السياسي، وفي إبقاء المشهد السوري رهينة للاضطراب والاشتباك الإقليمي المستمر.
ولم تكن التدخلات الدولية التي زعمت الحياد أو الطابع الإنساني سوى أدوات للهيمنة. فدُعِمت كيانات انفصالية، وفرض أمر واقع بقوة السلاح، واستُخدمت العقوبات كوسيلة ضغط لتفكيك الدولة واستنزاف المجتمع. وبعد أكثر من عقد من الحرب، آن الأوان لصوت العقل العربي أن يعلو، داعيًا إلى حل سياسي شامل، يحترم وحدة الأراضي السورية وسيادتها، ويضع حدًا لمعاناة شعبها.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الأردني الذي تحمل أعباء إنسانية وأمنية واقتصادية كبرى جرّاء الأزمة السورية. فالحدود المشتركة، والتاريخ المتداخل، والتحديات الديموغرافية والأمنية والاقتصادية، تجعل من استقرار سوريا مصلحة أردنية عليا. فأمن الأردن مرتبط بأمن سوريا، وأي انفراج هناك سينعكس إيجابًا على الداخل الأردني.
إن استقرار سوريا ليس ترفًا سياسيًا، ولا بندًا تفاوضيًا في ملفات إقليمية عابرة، بل هو حجر الزاوية في أمن المنطقة كلها. ومن يريد شرقًا أوسط أكثر اتزانًا، ومجتمعاتٍ عربيةً تنعم بالأمان والنهضة، عليه أن يضع سوريا في مركز اهتمامه، لا في هامش حساباته. لأن الحقيقة الواضحة التي باتت تفرض نفسها على الجميع، هي أن لا استقرار للمنطقة... من دون استقرار سوريا.
والآن، وبعدما توافق السوريون – في الداخل والخارج – على حكومة جديدة تشكّلت ضمن توافقات وطنية مدعومة بإرادة داخلية وإشارات قبول دولي، فإن من الواجب دعم هذه الحكومة ومساندتها في مهمتها المعقدة. فهذه المرحلة تتطلب حشد كل الطاقات السياسية والاقتصادية والديبلوماسية لإنقاذ ما تبقى، وإعادة بناء ما تهدّم، وإطلاق مسار التعافي الوطني. إن منح هذه الحكومة فرصة للعمل، وتهيئة المناخ العربي والدولي لتسهيل مهامها، يمثل خطوة ضرورية نحو طيّ صفحة الحرب، وفتح صفحة الاستقرار والتنمية.