يواجه سوق العمل الأردني تحديات حقيقية ومركّبة، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة بين الأردنيين مقابل انتشار العمالة غير الأردنية، خاصة في القطاع غير المنظم، وهو ما أوجد اختلالات عميقة في بنية السوق. وقد أوضح تقرير حديث لمنتدى الاستراتيجيات الأردني أبعاد هذه المشكلة، مشيرًا إلى وجود نحو 1.4 مليون عامل غير أردني في الأردن، يعمل ما نسبته 77% منهم خارج الأطر القانونية، دون اشتراك في الضمان الاجتماعي أو التزام ضريبي، مما يفاقم الضغط على الموارد العامة للدولة. في المقابل، تصل نسبة البطالة بين الأردنيين إلى 21 بالمئة.
يُسجَّل لمنتدى الاستراتيجيات الأردني إعداده لأحد أكثر التقارير تكاملًا ووضوحًا بشأن سوق العمل في السنوات الأخيرة. فقد قدّم أرقامًا دقيقة،ما يُشكّل قاعدة بيانات صلبة للحوار واتخاذ القرار. لقد انتقل التقرير بالنقاش من العموميات إلى التشخيص الدقيق، وربط ذلك بتوصيات واقعية قابلة للتنفيذ.
ولا تكمن المشكلة فقط في مبدأ المنافسة، بل في غياب استراتيجية وطنية مرنة وواضحة للتشغيل، ترتكز على بيانات دقيقة تحدد حجم ونوع القوى العاملة، الأردنية منها وغير الأردنية. فالنظام الحالي لإدارة البيانات يعاني من الضعف والتقادم. ولتصحيح هذا الخلل، تحتاج الدولة إلى خطة متكاملة تنطلق من تطوير البنية الرقمية لسوق العمل وربطها بالتصاريح والضمان والتفتيش الذكي.
تتطلب المعالجة الفعالة وضع خطة تشغيل متعددة المسارات: أولًا، إنشاء قاعدة بيانات وطنية رقمية تُسجَّل فيها جميع العمالة، الأردنية وغير الأردنية، الرسمية وغير الرسمية. ثانيًا، إطلاق برامج تحفيزية ذكية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، تربط بين الحوافز الضريبية ونسب تشغيل الأردنيين. ثالثًا، فرض رسوم تصاريح تصاعدية على العمالة الوافدة في القطاعات المفتوحة، مقابل إعفاءات تنازلية للشركات التي تلتزم بتشغيل الأردنيين.
كما أن تنظيم سوق العمل غير الرسمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة اقتصادية وأمنية. فوجود أكثر من مليون عامل خارج المظلة الضريبية والاجتماعية يُضعف المنافسة ويُثقل كاهل الخزينة العامة. وبالتالي، فإن تنظيم هذا القطاع يتطلب سياسات واقعية تُشجع على الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد المنظم، دون الإضرار بالإنتاج أو السوق.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح سوق العمل دون ربطه بمسارات التعليم والتدريب. فالكثير من الخريجين يفتقرون للمهارات العملية المطلوبة. لذا، لا بد من التحول من ثقافة الشهادة إلى ثقافة المهارة، من خلال تعديل البرامج الأكاديمية لتشمل تدريبًا ميدانيًا، وتحفيز الشركات على توفير فرص تدريبية حقيقية داخل بيئات العمل.
يتطلب الأمر أيضًا إنشاء نظام وطني لرصد احتياجات السوق حسب القطاعات، تقوده وزارة العمل عبر وحدة متخصصة تعتمد على بيانات فورية من السوق. وهذا النظام يمكن أن يسهم في توجيه العمالة المحلية والوافدة نحو القطاعات ذات الحاجة، بناءً على أدلة لا تقديرات.
ومن المهم إشراك البلديات والنقابات المهنية في تنظيم سوق العمل على المستوى المحلي، لما لها من قرب ميداني وقدرة على التدخل الفوري. كما يُستحسن تحديد نسب إلزامية لتشغيل الأردنيين في بعض القطاعات الحيوية، مدعومة ببرامج تدريب وتأهيل مرنة على المدى المتوسط.
وفي السياق ذاته، يجب إدراج العمالة الوافدة ضمن مظلة الضمان الاجتماعي. فالقانون يفرض ذلك على كل من يحمل تصريح عمل ساري، لكن التطبيق الفعلي ضعيف بسبب شيوع العمل غير النظامي. لذا، ينبغي ربط إصدار وتجديد تصاريح العمل بالتسجيل في الضمان، مع دراسة آلية لاسترداد الاشتراكات عند المغادرة النهائية، بما يوازن بين الحقوق والواجبات ويشجع على التنظيم.
كما يُستحسن ربط الدعم الحكومي للمياه والطاقة والغذاء بتسجيل العامل في الاقتصاد الرسمي. ويمكن إنشاء صندوق وطني لدعم الانتقال المهني، يُموَّل من رسوم تصاريح العمل، ويُخصص لإعادة تأهيل الأردنيين وتوجيههم نحو قطاعات جديدة لم يكونوا جزءًا منها سابقًا.
وفي النهاية، لا بد من التحوّل من التفتيش العشوائي إلى رقابة ذكية تعتمد على تحليل البيانات والمؤشرات، لضمان عدالة التطبيق وفاعليته. فإعادة التوازن إلى سوق العمل تتطلب خطة واضحة، بيانات دقيقة، وتعاون مؤسسي. دون ذلك، ستبقى البطالة مرتفعة والدعم غير عادل، وسيظل النمو بلا أثر اجتماعي ملموس.