في ظل عصر العولمة وتسابق الدول نحو الاقتصاد الرقمي، ما زالت بعض المؤسسات محكومة بالثقافة الإدارية التقليدية في رؤية الواقع واتخاذ القرار، وبعيدة نسبياً عن فهم طبيعة البيئة الرقمية والتعامل مع أدواتها في تحليل البيانات واتخاذ قرارات مبنية على مؤشرات واقعية. لذلك نحن بحاجة إلى نمط تفكير يعيد طريقة فهمنا لأهمية البيانات وتحليلها لصياغة الحلول بناءً على واقع الحال. وكما نعلم، فإن التحول الرقمي ليس مجرد أجهزة وأدوات برمجية، بل هو إعادة التفكير والتصميم بشكل جذري لإجراءات العمل بما يتوافق مع التكنولوجيا المستخدمة، واستغلال الاستثمار الأمثل من هذه التقنيات بدلاً من أن تكون عبئًا ماليًا إضافيًا على مؤسساتنا. وعلى مستوى البنية التحتية الرقمية استثمر الأردن استثمارات كبيرة في شبكات الاتصال والإنترنت، مع ملاحظة ضعف التغطية للمناطق النائية، كما لا تزال تكلفة الإنترنت مرتفعة نسبياً مقارنة مع الدخل بشكل عام. وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن المؤسسات الأردنية، سواء في القطاع العام أو الخاص، قطعت شوطًا كبيرًا في مجال الرقمنة في تقديم الخدمات من خلال المنصات الرقمية مثل "سند" وغيرها من خدمات الدفع، الترخيص، الجمارك، بالإضافة إلى المبادرات التعليمية. لكن التحدي الأكبر يكمن في العقلية وكيفية الاستخدام، حيث تعتبر الثقافة الإدارية التقليدية من أهم معوقات التفكير والتحول الرقمي، وهذا يستدعي فهم طبيعة البيئة الرقمية وكيفية التعامل معها واستخدام أدواتها ومخرجاتها لتعظيم الفوائد المتعددة لهذا الاستخدام، وتحقيق وفورات مادية ملموسة وتقديم خدمات ذات جودة عالية. وتعد السياسات الحكومية عاملاً حاسمًا في دعم التحول الرقمي في الأردن، حيث وضعت الحكومة استراتيجية وطنية لتحديث القطاعين العام والخاص من خلال استراتيجية ورؤية التحديث الاقتصادي. ولكن مع وجود هذه الخطط الطموحة، يشوب عملية التنفيذ العديد من التحديات المتعلقة ببطء وتيرة التنفيذ في التحول الرقمي، مما يسبب تأخيرًا في تحقيق الأهداف المرجوة. كما أن الفجوة الرقمية في القدرات البشرية من حيث توفر الأيدي العاملة المدربة بشكل كافٍ لاستخدام والتعامل مع هذه الأنظمة الحديثة، والتي تتغير وتتطور بشكل متسارع عبر الوقت تمثل تحديًا كبيرًا. وهنا تكمن الحاجة إلى تمكين العاملين من اكتساب مهارات التفكير والتحول الرقمي اللازمة لدعم مرحلة التحديث الاقتصادي. كما تساهم تحديات أخرى في عملية التنفيذ منها مقاومة التغيير التكنولوجي، ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، تعقيد الأنظمة والإجراءات الحالية، ونقص التمويل في دعم المشاريع الرقمية. وفي ظل واقع التحول الرقمي في الأردن يجب أن نتطلع نحو تقدم كبير في تقديم الخدمات الرقمية للمواطنين من خلال استراتيجية شاملة قابلة للتطبيق على أرض الواقع، من خلال تطوير البنية التحتية وتمكين العاملين رقميًا. حيث إن الدول التي تعتبر من أوائل الدول الرقمية في العالم جمعت بين رؤية قيادية واضحة، وإعادة هندسة عمليات العمل الجديدة بما يتوافق مع التكنولوجيا الحديثة، وبناء القدرات الرقمية للموظفين والمواطنين على حد سواء، من خلال التركيز على التحول الرقمي ابتداءً من المراحل الأولى في التعليم، للوصول إلى جيل مُـمْـكن رَقْمِيًّا من حيث التفكير والاستخدام.