الدولة، في جوهرها، ليست مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات رسمية، بل هي منظومة متكاملة تقوم على وحدة القرار، وسيادة القانون، وتماسك النسيج الوطني. حين يُطرح في بعض الأوساط –بجهل أو بتعمّد– خطاب يدعو إلى تعدد مراكز القوى أو ازدواجية المرجعيات، فإنما يُهدد بذلك جوهر الدولة نفسها، ويجرّ المجتمع إلى صراعات هو في غنى عنها.
إن من أهم ما يميّز الدول المستقرة أنها لا تقبل القسمة على اثنين: لا في السيادة، ولا في القرار، ولا في الهوية الوطنية. فوجود مرجعيات موازية أو سلطات غير دستورية يتنافى مع مبدأ الدولة الواحدة الموحدة، ويُفضي حتماً إلى ضعف الهيبة، وتآكل الثقة، وتنازع الولاءات.
وقد علمتنا تجارب التاريخ، أن ازدواجية الكيانات داخل أي دولة، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اجتماعية أو حتى دينية، تؤدي إلى تفكك الدولة ذاتها، وتجعلها عرضة للاختراق الخارجي والتنازع الداخلي. فالدولة لا تستقيم بكيانين، ولا تقوى بمراكز قوى متنافسة، بل تضعف وتنهار.
الأردن، الذي مضى على تأسيسه أكثر من مئة عام، لا يزال صامدًا بحكمة قيادته ووعي شعبه، لكنه، كغيره من الدول، ليس بمنأى عن محاولات التشويش والتفكيك. وهنا، لا بد من تأكيد الثوابت: لا مكان في الدولة لمن يرى نفسه فوق القانون أو يعمل على إنشاء "دولة داخل الدولة" أو يخترق المؤسسات لتحقيق أجندات حزبية أو إقليمية أو مالية.
وليس من الوطنية في شيء، أن يُمارس البعض دور المعارضة من خارج إطار الشرعية، أو أن يُنشئ مؤسسات ظلّ تتغذى من التمويل الخارجي، وتسعى إلى اختطاف الرأي العام وتوجيهه ضد الدولة. فالمعارضة الوطنية الحقيقية هي التي تنطلق من رحم الدولة، وتعمل على تصويب المسار ضمن الإطار الدستوري، لا على تهديم البنيان.
في هذا السياق، فإننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب وطني جامع، يرفض التفرقة، ويُعيد الاعتبار لفكرة الدولة الواحدة، المتماسكة، الرافضة لكل أشكال التشرذم والازدواجية. فإما دولة بكل مؤسساتها ومرجعياتها، أو لا دولة.
إن بقاء الدولة مرهون بوحدتها. وأي اختراق لهذه الوحدة، هو ضرب في جذور الاستقرار. فلا أمن بدون سيادة واحدة، ولا سيادة بدون ولاء جامع، ولا ولاء إلا لمنظومة الدولة الشرعية.
قد نختلف في الآراء، في الرؤى، في المقاربات السياسية، وهذا أمر طبيعي ومطلوب. لكن ما لا يمكن أن نختلف عليه هو أن الأردن لا يحتمل أنصاف الولاءات، ولا يقبل التلاعب بثوابته، ولا يتعايش مع محاولات خلق كيانات موازية. الدولة لا تقبل القسمة على اثنين، ولن تكون إلا دولة واحدة.. كياناً واحداً.. رايةً واحدة.