يمر الشرق الأوسط في هذه المرحلة بفترة حساسة من تاريخه الاقتصادي والبيئي، حيث تتداخل تحديات الموارد مع التحولات الجيوسياسية، وتزداد ضغوط التغيرات المناخية على أنظمته الاقتصادية. هذه المنطقة التي كانت دومًا مركزًا هامًا لإمدادات الطاقة العالمية، تجد نفسها اليوم أمام خيار مهم: إما أن تعيد تنظيم علاقتها بالموارد والطاقة بما يتناسب مع المتغيرات العالمية الجديدة، أو أن تواجه عواقب الاعتماد طويل الأمد على أنماط إنتاج واستهلاك تحتاج إلى تطوير لتصبح أكثر استدامة.
من الناحية العلمية، تشير التقارير الدولية إلى أن الشرق الأوسط هو من أكثر مناطق العالم تأثرًا بندرة المياه، بسبب انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، فضلًا عن النمو السكاني السريع والضغط على شبكات التوزيع. ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإن أكثر من 70% من سكان بعض دول المنطقة يعيشون في حالة إجهاد مائي دائم، ما يجعل الأمن المائي تحديًا لا يمكن فصله عن الأمن الغذائي والاقتصادي. رأيي الشخصي أن هذه الأزمة ليست تقنية فقط، بل ثقافية أيضًا، تتعلق بسلوك الاستهلاك، وتوزيع الموارد، وغياب الرؤية الإقليمية الشاملة لإدارة المياه العابرة للحدود.
في سياق الطاقة، لا تزال المنطقة تحتفظ بثقلها في أسواق النفط والغاز، لكن هذا الثقل بات اليوم نسبيًا. فمع صعود مصادر الطاقة المتجددة عالميًا، والتزامات الدول الكبرى بالحياد الكربوني، بدأت الأسواق تتغير، ومعها موازين القوة. علميًا، تظهر نماذج الاقتصاد الطاقي الجديدة أن الدول التي تعتمد فقط على تصدير المواد الخام، دون تطوير سلاسل القيمة المضافة أو تنويع مصادر دخلها، ستكون عرضة لتقلبات السوق و"صدمات الطلب". وهنا، أرى أن الاستمرار في ربط الاقتصاد بالنفط فقط لم يعد ممكنًا، ليس فقط بسبب الضغوط البيئية أو المناخية، بل لأن السوق نفسه يعيد تعريف القيمة الاقتصادية للموارد.
وعلى مستوى الأمن الغذائي، تعاني الزراعة في الشرق الأوسط من تراجع كبير في الإنتاجية، بسبب انخفاض جودة التربة، ونقص المياه، وارتفاع درجات الملوحة. تشير الدراسات البيئية إلى أن الاعتماد على الواردات الغذائية أصبح خطرًا استراتيجيًا في أوقات الأزمات العالمية. أري أن الأمن الغذائي لا يتحقق بالاكتفاء الذاتي الكامل – وهذا شبه مستحيل في بعض الحالات – بل من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، وتطوير سلاسل التوريد الذكية، وتعاون إقليمي لتقاسم المخزون والموارد.
أما من منظور اقتصادي أوسع، فالمعادلة الجوهرية تكمن في طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه. الاقتصاد الريعي، الذي يقوم على تدفق إيرادات من مصدر طبيعي واحد – غالبًا الطاقة – لا يستطيع أن يواجه الصدمات الكبرى مثل الجائحة أو الحرب أو أزمة الأسواق. الرأي العلمي هنا واضح: الاقتصادات التي لا تستثمر في الابتكار والتعليم والصناعة تواجه تحديات كبرى في التوظيف، وفي احتواء الأزمات الاجتماعية. أري أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ من الإنسان، لا من المورد؛ أي من التعليم، وريادة الأعمال، وتمكين الشباب، لا من أسعار برميل النفط.
ولا يمكن إنكار التحولات الإيجابية التي بدأت تظهر في المنطقة، مثل التوجه إلى الطاقة المتجددة. فمشروعات الطاقة الشمسية والرياح لم تعد مجرد رمزية بيئية، بل أصبحت استثمارًا طويل الأمد نحو مستقبل اقتصادي مستقر. الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الدول التي تستثمر مبكرًا في هذا القطاع ستحقق مكاسب مزدوجة: اقتصادية وبيئية. في رأيي، هذا التحول يجب ألا يكون مجرد إضافة، بل محورًا رئيسيًا في سياسات التنمية، بحيث يترافق مع إصلاح نظم الدعم، وتوطين الصناعات الخضراء، وتشجيع الابتكار المحلي.
وفي ظل هذه التحديات، لا بد من إدراك أن التنافس على الموارد لا يجب أن يؤدي إلى توتر دائم، بل يمكن أن يكون دافعًا نحو التعاون. النظريات الجيوسياسية القديمة التي كانت ترى في كل نهر مشترك أو حقل غاز فرصة للصراع، تتآكل اليوم أمام التجارب الدولية التي تؤكد أن "الدبلوماسية الطاقية" و"إدارة المياه التعاونية" أكثر فعالية في بناء الاستقرار. رأيي، أن فرص التعاون الإقليمي كثيرة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحسابات الآنية، وتنظر إلى المستقبل كمصلحة مشتركة، لا كساحة نفوذ.
وأخيرًا، لا يمكن فصل ملف الأمن الاقتصادي عن التغيرات المناخية الكبرى التي يشهدها العالم. التقارير العلمية، وعلى رأسها تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، تشير إلى أن الشرق الأوسط معرض بشكل خاص لظواهر الطقس المتطرفة، وارتفاع منسوب البحار، وتراجع المخزون الزراعي. إن تأخر المنطقة في التحول إلى الاقتصاد الأخضر لا يعني فقط خسارة فرص اقتصادية، بل أيضًا ارتفاع كلفة التكيف مستقبلاً. وأري أن الفرصة لا تزال قائمة، لكنها تتطلب تغييرًا جوهريًا في طريقة التفكير: من الاستهلاك إلى الإنتاج، من الريع إلى التنوع، من التبعية إلى التمكين.
وفي ضوء هذه المعطيات، فإن الحفاظ على أمن الموارد ليس مجرد معركة تقنيات أو اتفاقيات، بل هو اختبار حضاري لمستوى الوعي، ولإرادة التغيير. الشرق الأوسط قادر على تجاوز أزماته، شريطة أن يعترف أولًا بأن المستقبل لا يُصنع من تحت الأرض، بل من فوقها: من العقل، من التعليم، من الرؤية المشتركة، ومن الإيمان بأن التنمية المستدامة ليست ترفًا، بل شرطًا للنجاة.