في هذا الركن، أكتب من مسافة آلاف الأميال، حيث لا يهدأ الشوق، ولا تنطفئ الذكرى. أكتب من هناك.. من حيث نعيش ونحن نعدّ الطريق إلى الوطن كل صباح. زاويتي هذه ليست مجرد معارف وكلمات وأفكار ومعلومات ولا حتى مشاعر، بل هي محاولة لرسم ملامح الإنسان الأردني وهو يواجه تحديات الاغتراب اليومية، بمحبة وقوة لا تخبو، وانتماء لا يُنسى.
سأحمل إليكم، عبرها، مشاهد حيّة من قصة الاغتراب عموما ومن حياة الأردنيين في الخارج: همومهم، نجاحاتهم، تجاربهم، وتلك اللحظة الخفية التي يتساءلون فيها: هل نحن غرباء في أوطان الآخرين؟ أم نحن مواطنون في وطن لا نغادره مهما ابتعدنا؟.
علاقة جدلية للغاية تربط المغترب (أي مغترب) بوطنه.. فالعلاقة تتشابك فيها خطوط الطول لجغرافيا المشاعر، لتتقاطع بحدة أحيانا، ومتخيل أحيانا أخرى، لنسج متناقض في الآن ذاته مع خطوط العرض لتاريخ الممكن والمتأمل والمحلوم به.
حين تبتعد الأرض، وتتكثّف الذاكرة
لمن اغترب عديدا ومديدا تبدو له تقاطعات الاغتراب بالنسبة لمجتمع الاغتراب تتشابه.. فالجميع في فضاء "نوستالجيا ال هناك"، والتشبث بأمر الواقع في "ال هنا"...
عن القلب الذاهب لطفولاته وألعابه وسندويشات طفولته، وحيّه وجيران العمر، ورفاق الروضة وأصدقاء المدرسة والجامعة، وزملاء المهنة والنقابة والعمل، وتطول القائمة... فيما تشع له فرصته في بلد الاغتراب وتشير له بخارطة الفرصة بكل ما تعني من جغرافيا تضاريس الحسابات المهنية والاجتماعية والمادية والخبرة وغيرها...
تحولات الكفاءة: من الغربة إلى إعادة إنتاج الذات
الاغتراب بكافة أشكاله وصوره الواقعية بعيدا عن تلك الذاتية والفلسفية، انشراخ متعدد الأبعاد والمناظير وأكثر..وتشظيات على مستويات الطول والعرض. ولكنها في الوقت ذاته اختلاف ومغادرة لمنطقة الراحة وتعلم من تجربة كبيرة لا تشبه إلا نفسها..
فهو انتظار عميق في المطلق، وهروب مستمر عبر استغراق دائم في لحظة ترقب استقرت عميقا في الروح فصارت وطنا جديدا.
الحالة الأردنية: اغتراب لا يشبه إلا نفسه
وفي الأردن، شكّلت ظاهرة الاغتراب مكونًا بنيويًا في الهوية الوطنية، ليس باعتبارها استثناءً، بل كامتداد لحراك اجتماعي واقتصادي طال أجيالاً.
لطالما تميزت الحالة الأردنية في الاغتراب المعاصر، بطابعها المعرفي والتقني؛ فالمعروف أن جلّ المغتربين الأردنيين ــ منذ الستينيات وحتى اليوم ــ ينتمون لفئة التكنوقراط، من أصحاب المهن المعرفية العالية: الأطباء، المهندسين، المعلمين، الأكاديميين، والمستشارين في ميادين متنوعة.
يتسم اغترابهم بالكفاءة العالية، ليشكل تصورا فريدا عن الأردن، وحضورا يتجاوز الواقع، لفضاءات أكثر اتساعا.
لكنه في الوقت نفسه، أفرز إشكاليات نفسية واجتماعية واقتصادية لا تقل عمقًا عن مكاسبه.
تناقضات النجاح: بين الكفاءة والحنين
لذا تبدو الحالة الأردنية مشبعة بأشكال متقاطعة من الحنين، والتحول، والانفصال، ففي ظل تحديات اقتصادية ضاغطة، وسقف طموحات يرتفع بينما تضيق فرص التمكين المحلي، تعاظم في الآن ذاته الدور الذي يلعبه الأردنيون في الخليج والغرب، ناهيك عن أن تراكم التجربة أفرز شكلا جديدا يتجاوز الفردي، لما يشبه السياسة غير المعلنة، ومسارًا يفضي إلى إعادة إنتاج الذات في فضاءات أخرى.
أرقام تتكلم... وجدران تصمت
الاغتراب الأردني ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو ظاهرة اجتماعية واقتصادية معقدة تتجلى في التوتر بين الانتماء الوطني والبحث عن فرص أفضل. إذ بلغ عدد الأردنيين المقيمين في الخارج، وفقًا لبيانات وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية حتى نهاية عام 2021، عدد الأردنيين المقيمين في الخارج حوالي 924,850 شخصًا. غالبية الاغتراب الأردني في دول الخليج بنسبة تصل ل82% من مجمل مغتربي الأردن، ليصل عددهم لما يقارب 755,730 فردًا، بينما يقيم حوالي 15 % في دول غير عربية، وأكثر من 3% في باقي الدول العربية.
فيما أظهرت بيانات البنك المركزي الأردني لعام 2023، أنّ تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج شكلت حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي للأردن في 2023، إذ بلغت حوالي 3.5 مليار دولار، بارتفاع نسبته 1.4% عن العام السابق.
وتشير الدراسات إلى أنّ 63% من المهاجرين الأردنيين غادروا البلاد لأسباب اقتصادية، فيما يستهدف 26% فرص عمل أفضل.
الوطن ما يُحفظ في القلب
غير أن الاغتراب، في صيغته المعاصرة، لم يعد حكرًا على من يبتعد عن بلاده، بل تحوّل إلى ظاهرة كونية عابرة للحدود، تُساق إليها الشعوب بدوافع مركّبة: اقتصادية، وسياسية، وتكنولوجية، بل وحتى وجودية. لقد أصبحنا نعيش في عالم تنتقل فيه أسباب الاغتراب كما تنتقل العدوى، وتتشابه فيه تجارب التباعد عن الذات، واللغة، والبيئة، سواء كنت على بعد آلاف الأميال من وطنك، أو جالسًا في قلب مدينتك.
هذه الزاوية ستكون مختبرًا فكريًا لتفكيك المصطلح، وتتبع جذوره المفاهيمية في الأدبيات العالمية، ثم إسقاطه على التجربة الأردنية في خصوصيتها وتشظّيها.
سنسأل معا، عما يمكن، ماذا يعني أن تكون مغتربًا أردنيًا؟، كيف تتشكل الهوية في المنافي؟ ما الذي يبقى من الوطن في الذاكرة؟ وما الذي يمضي في طريقه؟ وكيف نعيد صياغة سرديات الغربة بمعزل عن الصور النمطية؟
لا نعد القارئ بإجابات جاهزة، بل بمنصة تُشعل السؤال، وتعيد النظر في ما اعتُبر مسلّمًا.
وسنستند إلى الدراسات الاجتماعية، علم النفس، الفلسفة، الأدب، والتجربة الحية، في رحلة بحث عن فهم أكثر عمقًا، إنسانيًا ووطنيًا، لهذه الظاهرة التي تُعيد تشكيل الفرد والمجتمع بصمتٍ طويلٍ ومؤثر.
أما بعد:
المغترب الأردني يعيش في أكثر من زمن: يومه العملي في بلد الاغتراب، وذاكرته في الأردن، ومستقبله مؤجل بين الاثنين.
هو يراكم الخبرات بصورة سريعة ولا محدودة، لكنه في الوقت ذاته يراكم أسئلة بلا إجابات.....