أُطلقت فكرة المناطق التنموية في الأردن منذ عام 2008 كأداة لتحقيق اللامركزية الاقتصادية، وتوسيع قاعدة الاستثمار خارج العاصمة. وقد خُصصت هذه المناطق بمزايا تنظيمية وضريبية تهدف إلى جذب الاستثمارات النوعية وخلق فرص عمل في المحافظات. إلا أن النتائج المتحققة بقيت متواضعة، ولم تُحدث الأثر التنموي المتوقع، سواء من حيث الإنتاج أو التشغيل أو المشاركة في الناتج المحلي الإجمالي.
ورغم إطلاق "رؤية التحديث الاقتصادي 2033" كإطار وطني شامل، إلا أن المناطق التنموية لا تزال غائبة عن الخطط التنفيذية للرؤية، ما يعكس فجوة بين الوثائق الاستراتيجية والسياسات الميدانية. كما تُظهر تقارير رسمية، أبرزها تقرير البنك الدولي لعام 2022، أن هذه المناطق بقيت في أغلبها هياكل قانونية دون مضمون إنتاجي، ولم تُدمج فعليًا في النظام الاقتصادي الوطني.
ضعف البنية التحتية، وتعدد المرجعيات، وغياب التخصص القطاعي، ساهمت جميعها في إضعاف جاذبية هذه المناطق. كما بقي الربط مع الجامعات ومؤسسات التدريب ضعيفًا، في حين لم تُوظف المزايا التفضيلية المتاحة للأردن في التجارة العالمية بالشكل الفعّال. فرغم امتلاك المملكة شبكة اتفاقيات تجارية واسعة، تمنح منتجاتها نفاذًا تفضيليًا إلى أسواق كبرى، إلا أن المناطق التنموية لم تُربط استراتيجيًا بهذه الاتفاقيات. غابت استراتيجيات الترويج الخارجي المتخصصة، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية بالتجارة والاستثمار، مما أبقى الفرص التصديرية تحت مظلة هذه المناطق مجرد امتيازات غير مستغلة فعليًا في خطوط الإنتاج.
وتبرز منطقة البحر الميت، رغم موقعها الفريد، كمثال على الفرص غير المستغلة في السياحة العلاجية والاستثمار الصحي. تأخر المشاريع، وضعف الحوكمة، وغياب الشراكات النوعية، كلها عوامل ساهمت في إبقاء هذه المنطقة دون المستوى المستهدف.
ولإحداث أثر حقيقي، لا بد من تفعيل كل منطقة تنموية وفق أولوياتها النسبية، وربطها بالمشاريع القطاعية المعتمدة في رؤية التحديث الاقتصادي. فالمفرق مثلًا، يمكن أن تُفعّل كمركز لوجستي وصناعي يخدم شمال وشرق المملكة، بدعم مباشر من مشروعات البنية التحتية والنقل ضمن محور سلاسل التزويد. بينما يمكن توجيه منطقة معان لتكون مركزًا للطاقة المتجددة والصناعات المرتبطة بها، انسجامًا مع الرؤية التي تدعو لرفع مساهمة الطاقة النظيفة إلى 50% بحلول 2030. أما إربد، فتمتلك مؤهلات للتحول إلى واحة تكنولوجية، تدعمها جامعاتها وبرامج الاقتصاد الرقمي. وتبقى منطقة البحر الميت مؤهلة لتكون منصة للسياحة العلاجية العالمية. وبالمنهج ذاته، يمكن توجيه الطفيلة وعجلون نحو السياحة البيئية والصناعات الاستخراجية والتعليم التقني، بما يعزز التشغيل المحلي والقيمة المضافة.
تجارب دول مثل المغرب وتركيا أثبتت أن نجاح المناطق التنموية لا يعتمد على الحوافز فقط، بل على وضوح التخصص، وربط المناطق بالبنية التحتية والمهارات، واعتماد إدارة مستقلة ذات صلاحيات تنفيذية. في الأردن، المطلوب هو دمج هذه المناطق رسميًا ضمن رؤية التحديث، وربط الإعفاءات بالأداء الفعلي، وتأسيس وحدة مستقلة لقياس النتائج ضمن رئاسة الوزراء، بما يضمن أن تتحول من فكرة معلقة إلى أداة حقيقية لتحقيق العدالة الاقتصادية والتنمية المتوازنة.
إن بقاء المناطق التنموية خارج دائرة التأثير الفعلي ليس نتيجة خلل في الفكرة، بل في طريقة إدارتها وفصلها عن الرؤية الوطنية الشاملة. وإذا استمر التعامل معها كملحق تنظيمي لا كأداة استراتيجية، فإنها ستظل مشروعًا مؤجلاً يستهلك الجهد والموارد دون عائد ملموس. المطلوب اليوم ليس إعادة تشغيلها فحسب، بل إعادة تعريفها كجزء أصيل من منظومة التحديث الاقتصادي، تُبنى على التخصص، وتُدار بالنتائج، وتُراقب بالبيانات لا بالنوايا. فالأردن لا يحتاج إلى المزيد من المناطق الجغرافية المعفاة، بل إلى بؤر إنتاجية حقيقية تصنع الفرق حيث الفجوة أكبر، وتُعيد توزيع النمو حيث الحاجة أشد.