في ظل مواكبة التحولات المتسارعة نحو التحول الرقمي في مؤسسات الدولة بقطاعيها العام والخاص، أصبح التحول الرقمي خياراً استراتيجياً وضرورة وطنية حتمية تفرضها متطلبات الاقتصاد الرقمي والتنمية المستدامة، لإعادة هندسة وتشكيل عمليات العمل لتحسين الأداء المؤسسي من خلال تبسيط إجراءات العمل وتعزيز معايير الكفاءة في العمل. كما أن التحول الرقمي لا ينبغي حصره بالجوانب التقنية، بل هو أبعد من ذلك، إذ يتضمن عملية تغيير إدارية وثقافية تتطلب إعادة النظر في بناء القدرات الرقمية وتمكين الموارد البشرية. وفي الواقع العملي، وإن تعددت الخدمات الرقمية، لا يعني ذلك أن هناك تحولاً رقمياً حقيقياً يحقق العوائد والفوائد المتوقعة من الاستثمار في التكنولوجيا الرقمية. ومن خلال الملاحظة على أرض الواقع، تبدو الصورة من الخارج واعدة، ولكن ما يحدث في بعض الأحيان هو عملية تحول من الشكل الورقي إلى الاكتروني دون إعادة تفكير حقيقية في كيفية تصميم عمليات العمل التي من شأنها أن تعمل على تقليل التكاليف وتقديم خدمات ذات جودة عالية. كثيرة هي المشاريع الرقمية التي نسمع عنها، لكن التحول الحقيقي لا يبدأ من البرمجيات ولا من شراء الخوادم وتحديث المواقع الإلكترونية، بل من طريقة التفكير الرقمي، وهو ليس مهارة تقنية كما يظن البعض، بل هو أسلوب ذهني وإداري جديد يقوم على فهم عميق لأدوات التكنولوجيا، ولكنه ينطلق أولاً من المستخدم، ومن الحاجة إلى تحسين حياة الناس. ففي التفكير الرقمي لا ينصب الاهتمام على أن المؤسسة تمتلك منصة رقمية، بل كيف يستفيد المواطن منها، وهل هي سهلة وتختصر الوقت والجهد والتكلفة، وهل البيانات يتم استخدامها لتحسين الخدمات؟ وهذا ما تفتقر إليه بعض المؤسسات، ولا تزال بعض الدوائر الحكومية تفكر بنفس النمطية والأسلوب الذي كانت تعمل عليه قبل استخدام التقنيات، من حيث طول الإجراءات بدلاً من تقليصها. إن التحول الرقمي يتطلب عقلية جديدة تقبل التغيير، بمعنى قادة إداريون يفكرون رقمياً بدلاً من فرق تقنية تعمل بمعزل عن أصحاب القرار، تُنصت للمستخدم، تجرّب وتعدّل وتتعامل مع البيانات لا التوقعات. وفي الأردن، رغم وجود الاستراتيجيات والجهود المعلنة، ورغم توفر الطاقات البشرية، إلا أن هناك فجوة لا تزال واضحة بين مستوى الطموح ومستوى التنفيذ، والسبب في الغالب ليس نقص التكنولوجيا، بل غياب طريقة التفكير التي تدعم تصميم الخدمات من وجهة نظر العميلو إعادة تصميم العمليات بطرق مبتكرة. ما نحتاجه هو تغيير جذري في طريقة تفكيرنا داخل المؤسسات العامة. لا يكفي أن نبني منصة، بل يجب أن نبني عقلاً جديداً يفهم لماذا نبنيها، وكيف نُقيّم أثرها، وكيف نحسّنها باستمرار. التحول الرقمي ليس هدفاً بذاته، بل وسيلة لبناء مؤسسات متطورة تقدم خدماتها للعامة. والعدالة الرقمية تبدأ حين نفكّر في الجميع، حين نصمم خدمة يفهمها من يسكن العاصمة ومن يسكن المناطق النائية، وحين نسمع التغذية الراجعة ونستخدمها لتطوير الخدمة. وباختصار، لن يحقق التحول الرقمي العائد المتوقع على الاستثمار في هذه التقنيات إذا بقي مجرد مشروع تقني داخل مؤسساتنا، بل حين يصبح ثقافة إدارية عامة، تمتد من أعلى المستويات الإدارية وصولاً للمستويات الإدارية على المستوى التشغيلي. عندها فقط، يمكن أن نقول إن مشاريع التحول الرقمي تصبو لتحقيق منافع على مستوى المؤسسات والأفراد والدولة بشكل عام.