تُقدم التجربة الأردنية في إدارة الأزمات المركبة، رغم خصوصيتها الجغرافية والسياسية، نموذجًا غنيًا بالدروس التي يمكن لدول أخرى، خاصة النامية منها أو تلك الواقعة في مناطق مضطربة، أن تستفيد منها وتكيّفها مع سياقاتها الخاصة. الاستفادة ليس بالضرورة تعني النسخ الحرفي، بل في استلهام المبادئ التي تستند عليها القيادة الأردنية وتطبيقها بمرونة.
1. الاستثمار في المرونة المؤسسية والتنسيق الفعال حيث يُظهر الأردن أن بناء مؤسسات حكومية مرنة وقادرة على التكيف أمرٌ بالغ الأهمية. هذا يعني وجود هياكل قيادة واضحة للأزمات وتحديد الجهة المسؤولة عن تنسيق الاستجابة بشكل مسبق، وتحديد الأدوار والمسؤوليات لكل وزارة وهيئة. في الأردن على سبيل المثال لا الحصر، تؤدي مؤسسات مثل المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات دورًا محوريًا في تجميع المعلومات وتوجيه الجهود.
كذلك اعتماد آليات تنسيق قوية عبر تطوير قنوات اتصال فعالة بين مختلف الوزارات، المؤسسات الأمنية، القطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني. التدريبات المشتركة والمحاكاة الدورية للأزمات تُعزز هذا التنسيق.
يضاف إلى ذلك اعتماد صناعة قرار مبنية على المعلومات والاستثمار في جمع وتحليل البيانات، وتطوير أنظمة إنذار مبكر تُمكّن من اتخاذ قرارات استباقية ومستنيرة بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل.
2. دمج البعد الإنساني والتنموي في الاستجابة ويظهر ذلك واضحا بتميز النموذج الأردني الذي يعتمد اسلوبا خاصا وهو عدم فصله بين الاستجابة الإنسانية والتحديات التنموية طويلة الأمد.
يمكن للدول الأخرى أن تتعلم من ذلك من خلال نجاح الأردن في تطبيق سياسات لاستيعاب اللاجئين توصف بأنها محترمة فعند مواجهة تدفقات كبيرة من اللاجئين أو النازحين، اعتمد الأردن سياسات تضمن كرامتهم وتوفر لهم الخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية، بدلاً من عزلهم في مخيمات دائمة وهذا يقلل من الضغوط على المجتمعات المضيفة على المدى الطويل ويُسهم في الاستقرار.
كذلك نجح الأردن في بناء الشراكة مع المجتمعات المضيفة عبر إشراك المجتمعات المحلية في خطط الاستجابة والتنمية لضمان أن المساعدات والبرامج لا تخلق توترات أو تُزيد من العبء عليهم، بل تُحسن من ظروفهم أيضًا.
إضافة إلى ماتقدم نجح الأردن في تحويل التحديات لفرص من خلال البحث عن سُبل لتحويل وجود اللاجئين أو التعامل مع الكوارث إلى فرص تنموية، مثل تعزيز بعض القطاعات الاقتصادية أو تطوير البنية التحتية بدعم دولي.
3. بناء الشراكات الدولية الفعالة والمستدامة حيث نجح الأردن في إظهار أهمية تطبيق الدبلوماسية النشطة وبناء الثقة مع الشركاء الدوليين عبر دعوة صريحة للمسؤولية المشتركة وركزت الدبلوماسية الاردنية على ابراز اهمية قيام الدول المتأثرة بالأزمات العابرة للحدود بتوضيح حجم التحدي والعبء الذي تتحمله، وأن تُطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته المشتركة.
والتركيز على تنويع مصادر الدعم وعدم الاعتماد على جهة مانحة واحدة، بل بناء علاقات مع مجموعة واسعة من الدول، المنظمات الدولية، ومؤسسات التمويل لتأمين دعم متنوع ومستدام (مالي، فني، لوجستي).
وكذلك بناء الشراكات المبنية على الثقة والشفافية وإظهار الشفافية في إدارة المساعدات والموارد يعزز ثقة المانحين ويُشجع على استمرار الدعم.
4. التكيف والتعلم المستمر حيث تُعد القدرة على التكيف والتعلم من التجربة حجر الزاوية في النموذج الأردني. لذا يجب على الدول الأخرى العمل بشكل مستمر على تقييم الأداء وإجراء مراجعات دورية لخطط الاستجابة لتحديد نقاط القوة والضعف وتحديث الاستراتيجيات بناءً على الدروس المستفادة.
اضافة إلى اعتماد المرونة في السياسات وعدم التمسك بسياسات جامدة، بل القدرة على تعديلها استجابة للتطورات الجديدة والتحديات غير المتوقعة، وتطوير القدرات البشرية عبر الاستثمار الأمثل في تدريب الملاكات الوطنية على إدارة الأزمات، والتفاوض، والدبلوماسية، والتخطيط الاستراتيجي.
ومن نافلة القول التأكيد على إنّ التجربة الأردنية المتميزة قد لا تُقدم حلولًا سحرية، لكنها تُبرهن على أن الحكمة في القيادة، والمرونة في الأداء، والإنسانية في التعامل، والشراكة الفاعلة، هي ركائز أساسية لبناء قدرة على الصمود في وجه الأزمات المركبة، وهذا ما يمكن لدول العالم أن تستلهمه وتُطبقه وهذا هو ديدن القيادات الناجحة للدول في عصرنا الراهن المتخم بالأزمات!.