في السنوات الأخيرة، بتنا نشهد ظاهرة غريبة تتكرّر في المشهد السياسي الأردني: مسؤولون يخرجون من مواقعهم، لا ليغادروا بصمت الكبار الذين يتركون خلفهم إرثًا من العمل والإنجاز، بل ليخوضوا في سفاسف الأمور، ويقدموا أنفسهم بوصفهم "المنقذين" الذين لا يُصلح حال الدولة إلا بعودتهم.
إن المسؤول الحقيقي، الذي تربى على خدمة الوطن ومؤسساته، يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الدولة أكبر من أي فرد مهما علا شأنه. أما أولئك الذين يتحولون بعد مغادرتهم إلى ناشطين على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل اعلام مغرضة، لا شُغل لهم سوى جلد الدولة، وبث الإحباط، وتصوير الأردن على أنه على شفا حفرة من الانهيار، فإنهم في الحقيقة لا يسيئون للدولة بقدر ما يكشفون عن ضيق أفقهم الشخصي.
في هذه الخطابات المتشنجة، تختلط المصالح الشخصية برداء النقد العام، وتُضخم القضايا الهامشية لتُصوَّر وكأنها تعكس انهيارًا وشيكًا، بينما الواقع يشير إلى أن الأردن، رغم التحديات الجسيمة، ما زال صامدًا بحكمة قيادته، وبعزيمة شعبه، وبمؤسساته التي تعمل ليل نهار في ظروف إقليمية معقدة وأزمات عالمية ضاغطة.
ومن المقلق أن بعض هؤلاء لا يتورعون عن الإيحاء بأن غيابهم عن المشهد هو سبب التراجع – متناسين أن فترات وجودهم لم تكن خالية من الأخطاء، بل إن كثيرًا من الإخفاقات ارتبطت بهم. لكنهم لا يتحدثون عن ذلك، بل يتفرغون للنقد السلبي، وتغذية نظرية "الانتقام من الدولة"، وكأن الأردن يعاقبهم لأنهم حاولوا الإصلاح!.
النقد البنّاء مطلوب ومرحب به، بل هو ضرورة لتصويب المسار، لكن أن يتحول النقد إلى جلد، وأن يُقدَّم الوطن على أنه مشروع فاشل دونهم، فتلك نرجسية لا تليق لا بالمنصب الذي شغلوه، ولا بالمكانة التي يفترض أنهم يتمتعون بها.
الأردن ليس على حافة الهاوية كما يزعمون، بل يمر – كما جميع الدول – بمنعطفات اقتصادية وسياسية واجتماعية تتطلب التفافًا وطنيًا لا تشرذمًا. ومن أراد أن يخدم الوطن بعد خروجه من المسؤولية، فليقدم الرأي والمشورة، لا الخطاب السوداوي، وليكن إضافة إيجابية لا أداة تهديم.
فمن يحب الأردن بحق، لا يهاجمه إذا غادر موقعه، بل يظل وفيًا له في كل الظروف، مؤمنًا أن الدولة ليست مزرعة، بل مؤسسة تعاقب فيها الأدوار، ويبقى الوطن هو الثابت الوحيد.
من هنا تكتسب أهمية أن يُسند المنصب العام إلى الشخص الكفؤ، القادر على تحمّل المسؤولية بشجاعة، والمستعد للاعتراف بالخطأ كما يعترف بالإنجاز. فالمسؤول الحقيقي لا يغيب دوره بمجرد مغادرته الموقع، بل يبقى ضميره حيًا، وولاؤه للدولة فوق كل اعتبار، يساهم بالرأي والمشورة، لا بالتضخيم والافتراء.